انه فجر اليوم الخامس من رمضان و بعد امتناع عن صفحات التواصل الاجتماعي هرباً من كمية النفاق التي تملأها في هذه الفترة من السنة قررت أن أعود لها اليوم و كعادتي منذ شهر أعددت إبريق الشاي "المنعنع" , و الذي بات رفيق سهري و ونيس ليلي منذ فترة و جلست في الهواء الطلق وسط سكون الليل الخالي من الضوضاء – إلا من بعض الألعاب النارية أو أصوات القذائف القاطعة لهذا الصمت و كذلك صوت تلك السيارة التي صالت و جالت عند جزيرة "الجعب" و الواضح من صوتها أنها بي ام "أرنوب" كما يقال - .
عموماً بدأت في التجول بين هذه الصفحات كما كان هذا الصرصار يتجول بجانبي كل ليلة و يبدوا أنه بعد أيام من الخوف قد اعتاد وجودي هنا مؤخراً و بات يمر بجانبي كل ليلة و أعتقد أنه يخاطب نفسه في كل مرة :" متى ظهر هذا الجبل العظيم هنا؟" , و بعد معاناة مع سرعة الإنترنت هنا , فتح و أخيرا هذا الفيسبوك , و كالعادة كمية نفاق اجتماعي يعجز المرء عن وصفها بل أعتقد أن إبليس المربوط بأصفاده الآن يشكوا منه و هو الذي لم يعرف النفاق يوما, فبين من يطلب من الناس السماح بمناسبة هذا الشهر و أمه منذ أشهر تنام غاضبة عليه و بين من يشكوا من طول النهار و الصيام في هذا الوقت و هو الذي بات كائناً ليلياً ينام قبل مطلع الشمس و يصحوا على مؤذن المغرب يقول الله أكبر , و غيرهم كثر.
وجدت بضعة رسائل من فلان و علان يلوموني على عدم التهنئة بهذا الشهر , فعلا انا لم أهنيء أحد بهذه المناسبة و حتى أهلي أدركت بأني لم أهنئهم على مائدة الإفطار في اليوم الأول , و لم أعلم لما .
فكيف أهنيء الناس و من اعتدت على وجوده في كل رمضان و انحنيت مقبلاً يده في كل عام , والذي أنار لي مائدة الإفطار لعشرين عاماً كما أنار الكثير من حياتي لم يعد هنا , كيف أهنئهم و هذا الذي أعطاني جنيهاً في أول مرة صُمت فيها يوماً كاملا قد ذهب هو و جنيهاته .
كيف أرحب برمضان و بين رمضان الذي مضى و رمضان الذي أتى ذهب ناسٌ من حياتي و لن يعودوا, كيف يكون رمضان و أنا أعلم بأن من دعاني و دعوته على الإفطار يوماً هو في الأن على مائدة أخرى في عالم أفضل , في عالمٍ أعلى .
نعم رمضان ببهجته في الشوارع و لكنه أيضاً ببهجته في المنازل و ما نفع نور الشارع إذا كان البيت مظلما؟ و ليس بيتٌ واحد الذي أظلم بل هي بيوت و أماكن جلسنا فيه .
أذكر رمضان الماضي عندما طالت سهراتنا في "بكرج" مع الأحباب , ورغم الحرب و لكن كانت مجالسنا مليئة بالفرح , فكيف أفرح و حتى "بكرج" لم يعد هنا لنقف على الأطلال.
رمضان يذهب و يعود في كل مرة بشيء من الفرحة و بمسلسلاته , فحتى باب الحارة قد فُتح من جديد و حتى أبوعصام قد عاد بعد أن مات , و لكن بين رمضان الأمس و رمضان ذهب أناس و لن يعودوا حتى مع رمضان القادم , ولا أعلم من سيذهب في العام المقبل و لكني أعلم بأنه لن يذهب وحده فسيأخذ معه شيئا من بهجة رمضان.
و ختاما أقول لمن ذهبوا "رمضان كريم" فأنتم من تستحقون التهنئة , و أعتذر فلا هذه الحياة هي باب الحارة و لا أنتم بأبو عصام حتى تعودوا , بل حتى أنني لست بسام الملا حتى أعيدكم.
و قد ارتفع صوت الفجر و ذكرني بأني لم اتسحر و لكن السحور بذكركم اشهى
الأحد، 21 يونيو 2015
رمضان كريم
السبت، 20 يونيو 2015
تهريسة انثى
هذا الملل الذي بات يلاحقني منذ سنوات , فكل أيامي باتت متشابهة لها نفس البداية من استيقاظ في الصباح و مغادرة السرير , و انتهاء على ذات السرير في المساء مروراً بخروجي اليومي إلى الكلية دون أن أنسى ابن الجيران و مضايقاته لي في كل صباح , و لا ألومه على ذلك بل ألوم نفسي لأني لم أضع له حداً منذ البداية , ربما لأن كلامه كان كل يوم يدخل شيئاً من البهجة على قلبي دون أن اعلم لما , و لكني ألومه على تردده و اكتفاءه بملاطفات لا تنفع ولا تضر.
و على الأقل هو لم يكن كحارس الكلية الذي تجاوز مرحلة الكلمات إلى مرحلة النظرات التي تكاد أن تجردني من ثيابي .
و مالحل في ذلك , فإن لبست هكذا اعتدت علي نظراتهم و إن لبست غير ذلك هاجمتني ألسنتهم هذا هو مجتمعي الذي أتعبني و أرهقني فابتعدت عنه قليلاً حتى لم أعد أعرف هل أنا منبوذة من المجتمع أم أنا الذي أنبذه .
فمجتمع يحاصر المرأة من كل الزوايا هو مجتمع لا يستحق العيش فيه .
لا ألوم رجال المجتمع فقط فحتى النساء مشاركات , فالأم التي تفرض على ابنتها الحجاب و نوع الملابس الواسعة لا لشيء متعلق بالدين بل فقط حتى لا تطالها ألسنة الناس و حتى تجد ابن الحلال الذي يبحث عن السترة ما هي إلا مجرمة , و كذلك الأمر لتلك التي تطالب ابنتها بالتبرج و التزين حتى تلفت أنظار الذكور من مجتمعها , فالمرأة ليست بضاعة نحجبها عن الشمس و نهتم بتزينها لتنال إعجاب الزبون الشاري و الذي لا يعلم أحد شيء عن تاريخه , فذكور مجتمعي لا يبحثون عن المرأة بما له من أفكار و شخصية بل يبحثون عن سلعة جميلة تسر أنظارهم و يرتفع سعرها إذا كانت تكنس و تطبخ و ترقص , فما يريده البعض ليس امرأة تهز عقلها بالتفكير بل امرأة تهز وسطها عن دق الطبل و التزمير.
هذه هي الأفكار التي تروادني في كل مرة أدخل فيها البيت و أزيل الحجاب عن شعري متسألة هل انا مقتنعة به أم أنه مجرد شيء أخر أساير به مجتمعي
الجمعة، 19 يونيو 2015
براد الشاهي
جلست في هذا الليل الطويل أمام شاشة جهازي محاولاً البحث في دماغي عن كلمات أصف بها حالتي الآن و قد وضعت "براد" الشاي على النار حتى يساعدني في إخراج الكلمات مني , فلساني يعصي أوامر الحديث مني و يداي تمتنعان عن الكتابة أما عقلي فهو مشغولٌ باسترجاع ذكرياته معك فذهب بي إلى هناك إلى حيث كان اللقاء الأول ربما لم يخطر على بال أحدٍ منا أن هناك ما هو قادم و أنه قد يحدث في يومٍ من الأيام أن توجد بيننا مشاعر , أو على الأقل أنفرد أنا بهذه المشاعر فعلاقتي بالحب كعلاقة المعلم أحمد الخضار الذي بجوارنا بنيتشه عبقري ألمانيا .
و رغم ذلك أحسس بنبتة المشاعر تخرج و تنمو في تربتي الغير صالحة للزراعة أصلا و لكني ضللت أنكر و أنكر حتى ذاك اليوم بالأمس البعيد عندما تسللت رائحة الغيرة إلى أنفي عندما رأيت "فلان" يلاطفك بكلمات الدلع على ما قيل بأنه موقع تواصل اجتماعي و تجاهلتها معللاً بأنها قد تكون سراب الماء الذي يراها قاطع الصحراء بعد أن تمكن العطش منه و لم أبالي حيث أني لم أعتقد بأن ذاك السراب هو حقا واحة و فضلت عطشي على السير نحوها , و أنا الذي اعتدت على العطش فبات الماء عندي رفاهية .
...... عذرا فقد قمت لأتفقد الشاي , و لنعد لحديثنا فقد استمريت في تجاهل هذه المشاعر و ما لها من ملحقات حتى وخزتني أشواك الفرحة عندما التقينا و تكرر الوخز في كل مرة , و كم من مرة أردت مصارحتك بما في أعماقي الدفينة من أشياء في كل محادثة طالت و استمرت و لكن لم اشعر بطولها في وجودك , و في كل مرة أحاول أن اصارحك يسحبني شيء من الخلف لا أدري ما هو , لعله كان حديثك مع "فلان" فظننت أنك مشغولة به , أو لعلها أن تتحطم موجات المشاعر على صخرة الرفض و أنا الذي أعلم حقا شعور السقوط على هذه الصخرة , فبقيت رافعا أنفي أشيد أصنام نفسي العظيمة متقربا بها إليك أحيانا رافضاً البوح بشيء , ولكن ما نفع القرابين إذا قُدمت لألهة لا تعلم حقا بوجودي , و ظللت كذلك أخطط و كلي أمل على أنه سيأتي يوم لأدق فيه أبواب بيتكم كفارس الأحلام ممتطياً جوادي و أخطفك إلى قصري , و حتى أفعل يجب أن يكون لي جواد و يصبح عندي قصر و لأن لكل منا نصيبه و لأنه :
"ما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا" فقد سبقني فارسٌ أخر بجواده و قصره و ها أنت ذا أراك تُزفين إليه , و لأن هذا الفارس هو "فلان" صديقي الذي تكرم و دعاني لزفافكما , وجدت نفسي أقف أمام القاعة و الصحب من حولي يباركون له هذه الحياة الجديدة التي سيدخلها و كم تمنيت أن يعزيني أحدهم في هذه الحياة التي فقدتها , أو على الأقل أن يصلي أحدهم على قبر هذا الحب الذي دفنته و دفنت نفسي بجواره و لم أتمكن من البقاء حتى أراه خارجاً و أنتِ بجواره ترتدين ثوبك الأبيض و لم تطق نفسي أصوات الفرح حولها و طبول الحزن و العزاء تدق بداخلي , فوجدت قدماي تسيران بي مبتعداً عن المكان سائراً إلى المجهول بين شوارع مدينتي التي أحسست بأني غريبٌ عنها حتى .......
اللعنة لقد اندلق الشاي على الفرن .
الخميس، 11 يونيو 2015
حوار مع صديقي (الإنسان)
كان يجلس على مقعد الحمام أثناء دخوله الصباحي اليومي لإخراج ما تبقى من أكل الأمس في معدته فإذا به يرى صرصاراً يتجول في ركن الحجرة أنهى ما كان يقوم به سريعا ثم نهض ليحاول قتل ذاك الضعيف , و لكن الصرصار صاح قائلاُ :" أرجوك لا تفعل فما أنا إلا صرصار بسيط خرج يبحث عن رزقه في الليل و هاهو عائد إلى مسكنه بعد أن بدأت الشمس بالشروق"
تعجب ذاك الإنسان و الذي يدعى مالك و قال:" عجباً لم أسمع صرصار يتكلم من قبل "
قال ذاك الصرصار :" نحن نتكلم , و لكن من أنت و ما تكون؟"
أجاب مالك : " اسمي مالك و أنا من البشر " و أخذ يشرح لذاك الصرصار و يحدثه عن البشر و تاريخهم و عن إنجازاتهم و اكتشافاتهم و حروبهم و سلامهم و الصرصار يصغي لحديثه.
و بينما هم كذلك مر رتل من النمل يحمل صرصار ميتا , أما عن سبب الوفاة فهو بسبب سوء المعاملة تحت قدم إنسان ما , حزن الصرصار على مصير زميله و ابن جنسه و بأنه لم يعد أكثر من مجرد غذاء يخزنه النمل للشتاء القادم , نظر مالك إلى الجنازة المهيبة التي حضي بها ذاك الصرصار ثم تذكر بأنه قتل صرصارا وجده في المطبخ هذا الصباح دهساً بالأقدام , فقال: " لقد قتله فضوله , فلو لم يخرج و اكتفى بالإختباء في مخبأه لما مات "
تعجب الصرصار فقال: " عجباً ألم تخبرني منذ قليل بأن البشر يحبون الاستكشاف و أنكم خرجتم لإكتشاف ما في هذا الكون , ثم إذا فعلنا نحن ذلك و خرجنا مستكشفين لما حولنا محاولين البحث عن زرقنا قتلتمونا ؟"
أجاب مالك : " و لكننا لم نزعج غيرنا من الكائنات , فلم نجد في المريخ أثار حياة مثلا"
-الصرصار :" و ما أدراك بذلك , فأنا مثلا حتى هذا الصباح لم أكن أعلم بوجودكم كنا نراكم فقط مجرد جبال تتحرك و تنهار علينا إذا ما خرجنا من مخابئنا في النهار و تقل انهياراتها في الليل و لهذا اخترنا حياة الليل الهادئة "
-مالك :" و لما لا تروننا؟"
- الصرصار :" إن قصر نظرنا لا يسمح لنا إلا برؤية أطرافكم السفلية "
- مالك:" و لكن بعضكم يطير و ارتفع قليلا فربما رآنا "
- الصرصار:" إن أبناء عمنا من الطيارين هم فصيلة أعلى منا و أحيانا كنا نراكم تتقربون منها و بمجرد أن تفرد أجنحتها حتى تتجهون بعيداً عنها , و هذا ما جعلنا نشعر بأنكم جبال مادية تهتم بالمظاهر فإذا كان للصرصار أجنحة و يطير تتركونه و إذا كان زاحفا دستم عليه"
- مالك:" و هل تقصد بأنكم لا تهتمون بالمادة و المظاهر؟"
- الصرصار:" لا , هل سبق و رأيت أنثى صرصار تركت صرصار ما و ذهب لأخر لأنه يسكن في حي أرقى أو يعيش في بالوعة منزل مليونير ما ؟"
- مالك:" و لكنكم صراصير"
- الصرصار:" نعم و أنتم بشر كما قلت , نحن نمتص العديد من الغازات التي ربما كانت ستضر الكون بطريقة ما فقل لي ما هي فائدتكم أنتم كبشر لهذا الكون ؟"
صمت مالك محاولاً التفكير في إجابة ما و قبل أن ينطق عاد الصرصار للحديث فقال:" ورغم هذه الفائدة تأتون لتدوسوا علينا أو لتمطرونا بمادة خانقة لا لشيء و لكن لمحاولتنا استكشاف ما حولنا في هذا الكون كما فعلتم أنتم"
- مالك:" و لكننا لم نلم أحد لما حصل و تحملنا ما حدث لنا نتيجة هذا الاستكشاف , فلم نلم يوماً أسدا لأنه التهم أحدنا في الغابة"
دار الصرصار قليلاً و هو يفكر في كلام مالك ثم عاد فقال :
انتم بعقول والأسد بلا عقل و لهذا هو حيوان , أم أنكم أيضا حيوانات؟"
- مالك :" نعم نحن حيوانات ناطقة بعضنا بعقول و بعضنا لا"
- الصرصار :" في الواقع بعد هذه المحادثة و بعد ما قلت لي عن حروبكم و أسبابها , بدأت أشك في وجود عقولكم , و إن وجدت تلك العقول عندكم فنحن أفضل منكم بكثير , فنحن معشر الصراصير عرفنا و تأكدنا أن في هذا الكون ما يكفينا جميعا من طعام و ما يأوينا كلنا من مسكن , فتركنا الحروب و اخترنا السلام , أما أنتم فتاريخكم قد فاض بالحروب"
- مالك:" و لكن ...."
- الصرصار :" دون لكن إن الشمس قد أشرقت و الوقت قد تأخر , و الحديث معك فسيطول ,لأنكم كبشر لم تفهموا من هم مِن أبناء جنسكم و من لهم مثل لغتكم فكيف ستفهمني أنا الصرصار البسيط, و لأثبت لك بأننا أذكى أود أخبارك بأنه أثناء حديثنا غافلتك و تحركت حتى وصلت لمسكني و قبل أن تتمكن من القيام و إحضار المطر الخانق سأكون قد دخلت إلى هناك , وداعاً"
(جزء من هذا الحوار دار بيني وبين صديق لي حيث كنت أنا الصرصار)
الخميس، 28 مايو 2015
إلى ابني
أكتب لك هذا الخطاب ولا أعلم عدد السنوات التي تفصلني و تبعدني عن لقائك , أكتبه و قد خط الاشتياق كلماتي و وضع خوفي عليك النقاط فوق حروف رسالتي .
وقد تسألني عن سبب خوفي , ولكني لا أعلم حقاً , لعله خوف الأب على ابنه و لعله خوفٌ سببه ما رآه أبوك من هذا الزمان .
أخاف من أن تُولد رجلاُ و تعيش رجلاً في زمنٍ يكاد ينقرض فيه الرجال.
أخاف أن تُولد بعقلٍ يفكر أو بضميرٍ حي في وقتٍ بات فيه المفكرون و أصحاب الضمائر مجانين.
أعتذر عن أن أمك ليست هنا و أنا أكتب لك هذا الخطاب فهي مشغولة بحديثها مع غيري من الرجال و تقضي وقتها معهم .
أخاف و أشد ما أخافه هو أن تقع في حُب امرأة لعوب تتلاعب بقلبك و تجعلك تهديها قلبك و روحك ثم تترك مكسوراً جريحاً مرمياً على حافة الطريق.
فالنساء هنا يا بني و في زمننا هذا غدارات , تأسر إحداهن قلبك و تجعلك لعبة بين يديها تستمع بها رفقة صديقاتها ثم ترميك على الر جسداً بلا روح , ثم تخرج مطالبة بحقوقها أو تكتفي بكتابة كُتبٍ عن أن ما يهم الرجل في المرأة هو جسدها... أعلم بأن الأمر مضحك يا صغير فهي من عرضت جسدها عليه بملابسها .
أخاف و أخاف و أخاف و أخشى أن خوفي هذا سيضرك و بسببه أخاف من أنك لا ترى الدنيا.
الأحد، 24 مايو 2015
الراحلة
و لكنها لم تكن هنا , أو إنها لم تعد تسكن هنا , فقد رحلت و تركت بداخله جرحٌ يصعب مداواته , رحلت و أخذت معها كل شيء و لم يكن ما أخذته مادي , لا بل أخذت الفرحة و البهجة منه و من كل المكان.
جلس يحاول أن يستعيد شريط ذكرياتهما معا فهنا لعبا و هنا نام ليلة بين أحضانها الدافئة, و هناك جلسا معاً و علت أصوات ضحكاتهم و بين أصوات الذكريات , انسابت دمعة ساخنة من عينه و تدحرجت على خده ثم سقطت عن وجهه باتجاه يده الموضوعة على الطاولة , ثم لحقتها أخريات , لم يحاول مسحها أو منعها بل تركها تتابع سقوطها لعلها تخفف عنه وحدته , لعلها تكون أنيسة له بعد أن رحلت أنيسة حياته .
قرر الخروج و الذهاب إليها ليشكو إليها همه و ما أصابه من بعدها , و في طريقه إلى مسكنها الجديد بدأ شريط الذكريات في الدوران مجدداً و غاص هو بين بحار الذكريات حتى أنه لم يدرك بأنه وصل إلى هناك فليس هو من كان يقود في الطريق لا , بل هو الحنين و الإشتياق.
وصل إلى هناك و جلس و بدأ يناشد لعله يجد من يجيب :" كم اشتقت إليك و إلى حضنك الدافئ , و كم كان غيابك مؤثراً فأنتِ الشمس التي أضاءت لي حياتي و أنت القمر في الليالي المظلمة , و بدونك لا شمس لا و لا عندي قمر, أعلم بأني لن أجد من يحل مكانك, و من ذا التي تفعل , من التي في حنان صدرك و دفئ حضنك, أنتِ تلك الغيمة الماطرة في حياتي و , و بدونك لا مطر فيها , بدونك باتت حياتي صحراء ميتة, بدونك لا حياة في حياتي,
أذكر حسنك و جمالك فأنتِ من استحى القمر من جمالها, و انحنت أزهار البستان خجلاً من عطرها,يا ذات الحضن الدافئ ما أقسى الدنيا في غيابك , و ما أمرها , لما رحلتِ و تركتينِ لما؟ ... إنهار في وسط المكان وتساقطت قطرات الدمع من عينيه و أخذ يكرر مراراً وبصوتٍ يملؤه الحزن "لما؟" و لكن أحداً لم يرد و لا حياة لمن كان ينادي .
تماسك قليلاً و نهض فقال: " أردت أن أتي إليك لأحدثك عن أحوالي , رحمك الله يا أمي "
بدأ في المشي خارجاً تثقله الهموم تاركاً خلفه قبر أمه الراحلة .
رحم الله جميع أمهاتنا
الأربعاء، 6 مايو 2015
c'est la vie
في منتصف الليل استيقظ متعرقاً منزعجاً من ذاك الكابوس الذي راوده, و الذي لاصقه طيلة أسبوعين تكاد لا تخلو الليلي فيهما منه , و كأنه نسى كيف يحلم بغيره , نظر إلى السقف فور فتحه عيناه ثم دار بنظره سريعا في الغرفة التي أحس بأن معالمها غريبة , فليست هذه هي المعالم التي اعتاد عليها ثم تذكر بأنه ليس في بيتهم و أنه خرج نازحاً من بيته منذ أشهر نتيجة للاشتباكات المسلحة الدائرة هناك و لأن حالته المادية منعته من الخروج هربا من (الرباية) بنغازي كذلك منعته عزة نفسه أن يذهب لأحد أقربائه حتى لا يثقل عليهم قرر البحث عن مسكنٍ للإيجار , و بعد معاناة مع جشع المُلاَك فبين من ضاعف إيجار الشقة لضعفين و ثلاث و بين من يطالب بإيجار ستة أشهر مقدم عانى الأمرَين , حتى صاحب الشقة ذات السعر المعقول و الذي لم يطالبه بمقدم طالته موجة الطمع المصاحبة للثورات و الحروب ليستغل ضعاف النفوس احتياجات غيرهم ,فبعد شهر و نصف تفاجأ به أمام باب الشقة ذات يوم يخبره بأن إيجار الشقة سيرتفع و بأنه إن لم يدفع يجب أن يغادر , و لكن مهما اشتد الظلام فإن النور قادم و لأنه في كل مكان هناك (الصالح و الطالح) و بعد غابة من الطالحين وجد الصالح الذي أعطاه الشقة بسعرٍ ليس سعرها و خيره في أن يدفع وقتما شاء و هاهو ذا ينتقل إلى مسكنٍ ثالث خلال أشهر .
استيقظ و وصل إليه صوت امرأة أطلقت زغروتة انتهكت حرمة سكون الليل , زغروتة أتت لعتبر عن فرحة امرأة بإبنها البكر الذي ستزف إليه عروسه غدا .
شعر بالحزن و لم يعلم لماذا هل هو حزنٌ على ذاك الشاب الذي أنتقل إلى أصعب مراحل الحياة و سيبدأ العيش مسئولا عن كل قراراته أم هو حزن على نفسه, هو الذي لم يختر حياته فهو من أراد أن يكون مبرمجاً للحاسوب و لكن والده الذي أصر على أن يكون ابنه مهندساً حتى يقال ( الحاج بات المهندس) , أرغمه على أن يغير مجاله ليتخرج و يقف في طابور العاطلين عن العمل بعد سنواتٍ من المعاناة مع الدراسة فمن الذي ينجح في شيء لا يحبونه , حتى في قوانين البشر لا يمكن أن تنجح علاقة بين اثنين لا يريد أحدهما الأخر .
و بعد أن بدأ في مسيرته المهنية و بدأ في تكوين نفسه أتت أمه لتفرض عليه زوجة لا يريدها و لكنها "بنت خالتك حليمة طبخها جميل ما شاء الله عليه و (شفتها ترقص في عرس أختك حنان و ما شاء الله عليها حرة مش بايرة ) , و كأن المرء يتزوج بجارية تطبخ و تنظف ثم تأتي في الليل لترقص لزوجها , و كما أرغمه أبوه على ترك المجال الذي يحبه , أجبرته أمه على ترك الفتاة التي أحبها و رآها زوجة له و جاء ذاك العرس ليشفط في لحظة ما جمعه من مال في سنين و (اللي يبنيه النمل في عام يشيله الجمل بخفه) .
و هاهو ذا تجاوز الخامسة و الثلاثين من عمره و لا يذكر بأنه قام بشيء يريده و لكن كما يقول الفرنسيون إنها الحياة
C’est la vie