الأحد، 10 يناير 2016

انا و صرصاري

استيقظت هذا الصباح وقد تجمد الدم في عروقي من برودة الطقس , ساومت نفسي لساعة , فأنا أُريد النهوض و هي تطالب ببضعة دقائق أُخرى من النوم , وكلانا يعرف بأنها تكذب فهي أبداً لن تكتفِ بهذه الدقائق , أقنعتها و قمت داخلاً الحمام كالعادة في كل صباح , فتحت الباب فرأيته يجري هارباً في الحمام , صُحت فيه بأن لا تفزع فهذا أنا, وقف هو ناظراً لي و كأنه يستغرب من هذا الذي يحدثه , عندها أدركت بأنه لا يمكن له أن يراني من موقعي هذا , فأغلقت الباب و أخذت من الأرض مجلساً و قلت له :" لقد مرَّ زمنٌ طويل على تقابلنا لأخر مرة ".

اقترب هو مني و قال:" مرحباً بصديقي من بني الإنسان ,نعم لقد مرَّ زمنٌ طويل , فنحن كما تعلم لا نخرج إلا في الصيف عندما يُصبح الجو حراً , فنزيدكم بدل الهم همين , قرفكم من حرارة الطقس و قرفكم منا ".

ضحكت وقلت :" و لماذا لا تخرجون إلا صيفاً ,و مالذي أخرجك في هذا الطقس البارد إذاً؟"

فقال :" سأجيب على الشق الثاني من سؤالك أولاً , الذي أخرجني يا أخي في الحياة بأن لزوجتي صديقة من بنو القطط أخبرتها بأن هناك ثمرة شهية برتقالية اللون لا تنمو إلا في فصل الشتاء , و لأن النسوة لا يرتحن عند سماعهن عن شيء جديد من أنثى أخرى حتى تجربها , فقد قلبت زوجي المصون حياتي جحيماً حتى أتي لها بمثل هذه الثمرة , أما عن سبب خروجنا صيفاً , فحن لا نحتمل برد الشتاء , ولأننا لسنا مثلكم لا نعرف النفاق , فنعترف بضعفنا أمام هذا الفصل و نختبئ تحت الأرض خوفاً من برده , أما أنتم فتعلنون تحديه و تغطون بشاعة أنفسكم أمامه بالثياب , أنتم تخبئون حقيقتكم دائماً أما نحن فلا نستطيع هذا ".

-" ها أنت ذا تحاول أنت تهاجم بنو جنسي من جديد و لا أعلم مالذي رأيته منهم حتى تقول مثل هذا الكلام"

- " لا يا سيدي أنت تعلم سبب مهاجمتي لهم , فأنتم تعانون من شيء أسميه ازدواج المعايير , تطلقون أسماء مختلفة على أشياء متشابهة , مثلاً هل تعرف الفرق بين الساقطة و الممثلة عندكم ؟"

- " لا , قل لي مالفرق؟"

- " سأقول لك , إحداهن تعرت بين أحضان رجل في السر , خلف الجدران و أخذت على فعلها هذا بضعة نقود , هذه ساقطة في مفاهيمكم , أما الأخرى فقد قامت بذات الفعل و لكن بدل من أن تقوم به سراً قامت بذلك أمام كاميرة تصورها ليشاهد فعلها بعد ذلك الملايين, و بدل النقود القليلة , تأتي و تأخذ الملايين و فوق كل هذا تنال جوائز عن دورها هذا و تعبها فيه , ههههه أنتم لا تعلمون بأن تلك الساقطة كما تسمونها قد تعبت أكثر منها , فذاك الممثل في نهاية المطاف ممثل , قد تعطر قبل خروجه , ولكن بعض شبابكم لا يعرف للنظافة معنى ".
صمت هذا الكائن البني , دار في مكانه كالعادة مُحركاً قرونه في المكان , ثم قال لي :
" تخيل شيئاً واحدً , تخيل فضل هذه السيدة اللي تقولن لها ساقطة على شبابكم , تخيل الخدمة التي تؤديها بإستقبالها لطاقة الشباب المكبوت , تخيل مالذي سيحدث لشبابكم بدونهن , و هل تعرف ما المضحك في هذا الموضوع ؟ المضحك بأن الشاب من شبابكم يقدم كل شيء لإحداهن , يعطيها المبلغ التي تريده , تراه مُستعداً أن يدفع أي ثمن تطلبه لقاء ليلة معها , و ما أن يخرج من بابها و يجلس مع صحبه يقول عنها ساقطة و ألفاظاً أبشع من ذلك , هههههه المغفل لا يدرك بأنه أذل نفسه لساقطة بل و جعل نفسه عبداً لها...... هل لديك ما تقوله يا صديقي ؟".

تعقّد لساني و لم أعرف بما أجبه فاعترفت له :" الصراحة بأني قد وقعت في حيرة من أمري , ولا أملك سبيلاً ولا وسيلة للرد عليك يا سيدي "

قاطعني قائلاً :" عذراً أنا لست سيد أحد , فلا وجود لهذه الأشياء عندنا , و لكن هذه حديثٍ أخر سيطول و يطول و أنا قد تأخرت على موعد عودتي , سأذهب الآن و أعود لك في الغد , وداعاً أيها الإنسي".


الجمعة، 8 يناير 2016

اخريبيش و الأسمر.

في قاعة المطار, جلس عبد السلام الأسمر متكئاً على أحد الكراسي , واضعاً رأسه بين كفيه و قد ارتسمت شفتاه وتلونت بلون الحزن , كانت الكآبة تُشع من وجهه العابس و قد انسحب الأمل من عينيه , و بينما هو كذلك سمع أحدهم يقف بجانبه و يناديه باسمه , نظر الأسمر باتجاه صاحب الصوت فإذ به يجد اخريبيش واقفاً ينظر إليه , سأله عن سبب وجوده هنا فأجاب الأسمر بصوتٍ حزين :" مرحبا بابن عمي اخريبيش , قد مرت قرونٌ على لقائنا الأخير , كيف حالك و أين اختفيت ؟ .... أنا قد خرجت من زليطن منذ بضعة أيامٍ بغية الترفيه عن نفسي وجئت إلى هنا , و أنت مالذي أتى بك إلى هنا ؟! ".

تنهد اخربيش ثم عدَّل جرده و جلس فقال :" قصتي طويلة يا ابن العم , فقد اندلعت الحرب في منطقتي و باتت القذائف و الصواريخ تُمطر علينا في كل يوم , فلملمت بضعة أشياء من بيتي و قررت الخروج هرباً من هذه القذائف المجنونة , ظننت بأنها مجرد أيام و سأعود أتنشق نسيم البحر في كل صباح من عند المنارة , ولكن هذه الأيام طالت و طالت يا ابن العم , كنت أمضي أياماً عند حسين ثم أنتقل لخليفة , ثم لم أعد أحتمل , أصبحت أصحو في كل صباحٍ و بداخلي ألمٌ و حزنٌ على ما أراه و على حال مدينتي و أهلها , ليس هؤلاء أهلي الذين عشت بينهم عقود , ما عدُت أعرفهم يا ابن العم حتى أني تُهت بينهم , فقررت الذهاب للبيضاء حتى أقيم بضعة أيام عند سيدي رافع , و ما أن وصلت حتى وجدت ناساً واقفين أمام منزله مطالبين بهدمه و تدميره مُتحججين بأن هناك قومٌ يقومون بأعمال شِركية عنده عُدت إلى بنغازي .... أنا عُدت و لكن هي لم تعد , مضت الأيام و باتت متشابهة لا تختلف عن بعضها , حتى جئت إلى هنا , لم تختلف الأمور كثيراً عن هناك حاولت زيارة الأندلسي و لكن لم أجده , مررت عليه أكثر من مرة و في كل مرة كانوا يقولون بأنه قد خرج للتو , عندها ضاقت بي الأحوال و قررت أخيراً أنا أقوم باستخراج أوراقي الرسمية حتى أذهب لمصر لعلي أجد عملاً بين ضريح الحسين أو عند المُرسي أبو العباس ,  و أنت مالذي أتى بك إلى هنا ؟!".


نظر الأسمر للسقف ولكن عيناه كانت تنظر لما أبعد من ذلك , ربما كانت تتخيل ما ممر به , تكلم فقال لسانه :" إني ذاهب إلى تونس فقد تم استهداف منزلي منذ أشهر و بالأمس القريب استيقظت على صوت انفجار , أشلاء ... موتى ..... و أنهار دم في كل المكان , شاهدت الفوضى في المستشفيات و الحزن قد غيم على المدينة و لم أحتمل ذلك , لم أحتمل رؤية الخصومة بين أحفادي و أحفادك و هم يعايرون أنفسهم بالموت , كُلٌ  مُنهم يلوم الأخر بأنه لم يساوله في موتاه كالنساء , أنا حقاً تألمت لكل أولئك الموتى سواء كانوا في زليطن أو في بنغازي أو في القبة , كلهم أبنائي و أحفادي , لكن لم أعد أعرف مالذي أصابهم , أتراه مرضٌ أو ابتلاء , قل لي يا اخريبيش هل تعرف ماذا أصابهم ؟!."

حزن اخريبيش و لم يعرف كيف يجيب أو ماذا تراه يقول فاكتفى بالقول بأنه أسفٌ على ما حدث في زليطن و بأنه لم يسمع عن ذلك نظراً لظروفه و مشاكله , ثم نظر كلٌ منهم للأخر و بداخلهما حزنٌ و ألم , ثم قال اخريبيش :" انظر يا عبد السلام , أليس هذا عُمر المختار ؟"

نظر عبد السلام ثم قال :" نعم إنه هو , يبدو بأنه قد قرر الهجرة هو الاخر".

الثلاثاء، 5 يناير 2016

ِشمس الروم كانت عالية

(هذه الأحداث خيالية و ليس لها أي علاقة بالواقع , و أي تشابه بينها و بين الواقع فهو ناتج من عقلية القارئ , لذلك وجب التنبيه)

الزمان : في وقتٍ ما أثناء حكم (علي بن أبي طالب).
المكان : إحدى المدن في شبه الجزيرة العربية .

.. عاد عبد الله ابن أبي عبد الله إلى بيته بعد يومٍ شاق في العمل , فاليوم كان موعد قدوم قوافل الشام الآتية لغرض التجارة , و بصفته مراقباً للسوق كان لزاماً عليه أن يحرص على عدم حدوث مشاكل بين التجار أو بين الناس , و وجود هذا الكم الهائل من البشر في هذا اليوم يصعب المهمة جدا , و لكن هاقد انقضى اليوم و قد عاد إلى بيته مُنهكاً يطلب بعض الراحة .
جلس يشاهد التلفاز في انتظار موعد الغداء , كانت المشكلة بين علي و معاوية في بدايتها , هذه المشكلة التي باتت حديث الساعة على كل القنوات , ناسٌ تُجدب و أخرى تندب , قلب هو بين هذه القنوات حتى استقر على واحدة تُدعى (الإسلامية) , كان فيها رجلٌ ذو عمامة و عباءة سوداوين و لحية غزيرة بيضاء , جلس يتحدث و يقول :
" إن هذا التحريض على ولينا و أميرنا ما هو إلا مؤامرة من الروم و الفرس يقودها حزب معاوية , و نحن نمتلك أدلة على عمالة معاوية و من معه و عن وجود جواسيس من الفرس و الروم بينهم , و إن هاتين الدولتين قد سعتا دوما للإطاحة بأميرنا الذي تكسرت عليه كل أمواجهم , و إن وقع هذا الأمر لا قدَّر الله , فإنها ستكون النهاية , فلا يوجد في البلاد من يحل محل علياً , و أننا سندخل في فوضى عارمة ".

صمت الرجل الذي في التلفاز قليلا في عاد ليقول : " وصلني منذ قليل خبرٌ مفاده بأن جنودنا تمكنوا من السيطرة على باخرة رومية في بحر الربع الخالي و أن هذه الباخرة كانت تحمل قياداتٍ من استخبارات الروم جاؤوا بتعليماتٍ لمعاوية المدعوم من قيادتهم, أترون أيها الناس ؟ أرجوكم احذروا من هذه القنوات التي تحرض على المؤامرة تنبهوا جيدا حتى لا يتلاعبوا بعقولكم ... و السلام عليكم و رحمة الله".

انتهى هذا البرنامج و صاحبنا جالسٌ يعلوا وجهه علامات التعجب و الحيرة فغير القناة ليجد أخرى باسم (شبه الجزيرة) , كان فيها مذيعاً يتحدث مرتديا عباءة و عمامة بيضاوين ,ذو ذقن محلوق , أما عن ما كان يقوله فهو :" لماذا يتم اتهام قادة الحراك الحالي بالخيانة؟ .. لماذا تتكتم كل القنوات عن المجازر الحاصلة في سجون النظام ؟... ألم يزر وزيري الخارجية الرومي و الفارسي قصر الخلافة في الأيام الماضية ؟... نعم لقد كانا هناك , و تقول مصادرنا بأن موضوع الحديث كان عن طرق مساعدة النظام على قمع حراك معاوية و من معه , هل نسي الناس من الذي أتى بهذا النظام من الأساس ؟... نحن جميعا نعرف من الطرف المستفيد من بقاء هذا النظام حاكماً, لقد أرادت هذه الدول التخلف لنا دوماً بهذا النظام العميل , و هم الأن يخططون لاغتيال معاوية تلك الصخرة الصماء التي تحطمت عليها أمواجهم, وتخدعنا قنوات النظام بالحديث عن مؤامرات تحاك بالخفاء , فقد صرح أحد قيادات هذا النظام بأنهم قد استولوا على باخرة تحمل قادة روم يخططون لمساعدة معاوية في بحر الربع الخالي , و قد أكدت مصادرنا بأن هذه الباخرة تحمل بضاعة تخص معاوية و لا يوجد أي رومي عليها ,.... و مازلنا نسأل إلى متى هذا اللعب بالعقول من قبل هذا النظام".


أطفأ عبد الله جهاز التلفاز و خرج ليستنشق بعض الهواء في الشارع عله يرفه عن نفسه قليلاً, على الناصية وقف حشد من الناس , مزيجٌ من العمائم البيض و السود , يتناقشون في موضوع هذه الباخرة , وقف أحدهم ليصرخ بالقول بأن قريباً له يعمل في خفر السواحل أكد له وجود الروم في هذه الباخرة , ثم وقف أخر ليُنكر هذا فيقول بأن لزوجته ابن عمٍ يعمل في الميناء و قد نفى له هذا , و بدأ كلٌ منهما يرمي الأخر بالسباب قبل أن يقف عبد الله بينهم و يقول لهم بأنه لا بحر في الربع الخالي , ولا وجود لبحر يدعى الربع الخالي , ولكن أي منهم لم يهتم بما قاله, تطور السباب و الشتم ليصبح عراكاً في كل المدينة , كان الجو غائماً تسوده المشاحنات , و في بلاد فارس كانت الحياة هادئة رتيبة يسود الفرس جو من الحيرة فهم لا يعلمون من الذي يدعمونه علياً أم معاوية ؟ , أما الروم فقد كانوا فرحين بنجاح مخططاتهم التي لم يفكروا فيها أصلاً و لكن تلك القنوات تقول بأنهم فعلوها .
كانت شمسنا غائبة , و شمس الفرس كانت مُبتسمة , أما شمس الروم فقد كانت عالية .

الأحد، 27 ديسمبر 2015

تهريسة طفل

منذ سنواتٍ لا أذكر عددها لأني لم أعُدها يوماً , و ما فائدة عد السنوات التي مضت , فهي قد مضت , مالفارق بين السنة التي مضت و السنتين؟! , فكلاهما بات من الماضي لا يمكن أن تلمس فيه شيئاً ,
كنت طفلاً  كغيري من الأطفال يعيش في عالمٍ سحري من الخيال , تارة يكون فيه طياراً و تارة أخرى يكون فيه طبيباً .
كنت صغيراً في العمر كبيراً في الطموح , فهذا ما كبرت عليه , هذا ما تعلمته , من كل شيءٍ كان حولي , من الأغاني التي تعلمتها في فصول الروضة , كنت دائماً أتخيل ذاك العصفور الذي تتحدث عنه الأغنية التي حفظتها عن ظهر قلب ( يا عصفور يا صغير يا بوجناح حرير ريشك مزال صغير ماتقدرش تطير) , تخيلت ذاك العصفور يقف على كل شجرة رأيتها أمامي , كانت البراءة عنواناً , صباحي كان بين قاعات الروضة مع أطفالٍ أخرين , و مسائي  بين كواكب سبيس تون , تلك الكواكب التي كبرنا بينها و بين أغانيها,  عندما كانت تلك القناة (قناة شباب المستقبل) , تلك كانت أمنياتي , بأن أكبر و أصبح شاب من شباب المستقبل , بأن أكبر مثل ذاك العصفور و أصبح قادراً على الطيران في سماء الوطن .... وطني الذي أحببته و عشقته عندما كنت طفلاً , الوطن الذي تمنيت أن يفنى عمري من أجله يوماً ما , ف(شرف الوطن أسمى مني و من ما قد يجول  بفكري في أي زمن) , تلك كانت كلمات  كبيرة كبر الوطن في عقلي , ربما كنت أرددها في طفولتي دون أن أعرف معانيها , و لكن كان لها طعم مجهول السر.

كبرت و انتهجت ما تعلمته في تلك الرسوم , تعلمت الشرف و عهد الأصدقاء , تعلمت الإصرار و عدم اليأس من حسان صاحب الشعر الأحمر ذاك , كانت تلك الكواكب هي المدرسة التي كنت ارتادها بعد عودتي من مدرستي الصباحية ..... طفلٌ صغير تملئ عقله الأحلام و الأفكار كما تملئ الكتب حقيبة ظهره, و لكن للأسف لم أكبر لوحدي , بل كان وطني هو الأخر يكبر , فما أن وصلت لشبابي حتى شاب وطني , شاب و أصابه الخرف فخرج من بيته و تاه , ضاع مني الوطن فأصبحت أنا ريمي و بات الوطن أمي الذي أبحث عنه , تاه الوطن في برد الشتاء كبائعة الكبريت , لعله وقف مثلها يستجدينا بأن نلقي له اهتماماً , و لكن لم نفعل , كان كلٌ منا يبحث عن مصالحه ولم ننتبه للوطن الواقف هناك يرجو المساعدة , كبرت و لم تعد تلك الأغاني بالنسبة لي إلا مجرد أغاني حفظتها يوماً , فذاك العصفور تعلم الطيران و طار بعيداً و هاجر , و ذاك الأرنب الذي غنينا له ( أرنب أرنوبي أرنب احذر من غضب الثعلب) , كبرنا و اكتشفنا بأن هذا الأرنب هو الثعلب نفسه , و روضتي التي كنت أتغنى بها قائلاً (ما أحلاك انتي يا روضة ) , لم تعد إلا مبنى مهجور بعد أن أصبح روادها الحاليين أطفالاً يلعبون بالسلاح في الشوارع ... أما أنا فقد وقفت في شرفتي ناظراً للغيوم الماطرة في السماء مستذكراً أنشودة تقول ( يا غيمة يا جايبة قطرات امية عندي وردة ذابلة اسقيها ليا ) , نعم ... ولكن ليست الوردة هي التي ذبلت لكن وطني هو الذي ذبل , و قد وجدتنا جارتنا شمسيتها (الرايحة) و ودعتنا , و قطوستنا ماتت برصاصة طائشة وقعت من العدم , و أنا فمازلت أريد (حوش خوالي اللي فيه ظلالية) ظلالية العائلة الدافئة , أه يا أيام الطفولة.

الجمعة، 25 ديسمبر 2015

براد شاهي 7 ( بكرج القهوة)

ها أنا ذا , بعد أن كتبت و أطلت( براريد الشاهي) , و عبرت فيها عن كل ما جال في خاطري و خيالي , ثم قررت اعتزال الشاي و هجر كل إدمانه , وجدتني قد وقعت في إدمانٍ أخر , إدمان القهوة , تبدل البراد فبات بكرجاً , و تبدلت الطاسة فأصبحت فنجاناً أستحضره أمامي كل صباحٍ , أَمَتِع أنفي برائحته , و تستمع عيناي بالنظر إليه ... لماذا أحببت القهوة ؟.... لا أدري ولا أعلم , ولكن يبدو بأن الله خلقني رجلاً لا يستطيع إلا أن يُحب شيئاً , فإن لم تكن الشاي سيكون القهوة, و إن نسيت كلاهما .... لا أريد التفكير في ما بعد القهوة .

حديث العهد هو إعجابي بالقهوة , لا أعلم سبب إعجابي بها , أتراه لونها ؟ أم لعله عطرها الزاكي ؟ , قد يكون تناقضها و امتزاج المرورية بالحلاوة فيها , ما أعلمه هو أني أُعجبت بها , و أدمنتها حتى أصبحت هي وحدها خليلتي في كل صباح , لا بل في كل اليوم , أجلس لها اليوم كله أخاطبها و أشاركها تفكيري فتسمعه يخرج عاليا من عقلي رغم أني لا أنطق , هي كل شيء جميلٌ ربما أكون قد تخيلته يوماً , و لكن لن أحدثها عن ذلك يوماً , ولما أحدثها عن ذلك ؟! , لماذا تُخبر أحدهم عن مشاعر و أحاسيس ؟! .

كان هذا هو السؤال الذي جال بخاطري منذ همسات الصباح الباكر اليوم , فكرت فيه لساعات و ابتعدت عنها حتى لا تشوش على تفكيري , فلقلبي قدرة تشويشٍ علي لا يمكن لي أن أقاومها , ولا يمكن لعقلي المُتبجح بحكمته دائماً أن يقاوم هذا العقل , عقلي الذي دائما كان يقول بعدم جواز البوح بالمشاعر , و ضرتها بالصحة , فهو الذي دائماً كان يقول بأن الاعتراف بالمشاعر ضُعف و ما هو إلا تقديم ذراعيك لسجان حتى يقيدهما بسلاسل ضخمة ثم يتحكم فيك كما يشاء , أعادها عقلي مرات و مرات , أما قلبي فقد كان يكفيه القول بأن هذا الاعتراف لن يكون مثل غيره , أحمقٌ هو قلبي فالسجان هو سجان مهما كان شكله و كلامه .

بدأت مناظرة بين قلبي و عقلي , وقف فيها القلب محامياً عن بكرج القهوة , أما العقل فكان المدعي العام , تنحنح قلبي في بدلة المحاماة مُغنيا :" قاضي البلاج يا قاضي مشتاق للصيف الماضي و جيت على الحبايب لقيت مكاني فاضي" , ثم بدأ في الحديث عن حاجتي أنا لشيء أحبه , و أنه ليس ذنب المتهم بل هو ذنبي أنا , فجاء رد عقلي قائلاً للقاضي المجهول الجالس على كرسيه بالأعلى , بأن هذا القلب الذي يدافع الآن عن المتهم هو الذي شبكنا و أوقعنا في كل هذا "و اللي شبكنا يخلصنا" ,  هكذا استمرت الجلسة و في كل مرة يبدأ أحد أعضائي هذه - و اللذان لا أملك أدنى سيطرة عليهما – في الحديث , في كل مرة يقول أحدهما شيئا فترتسم على شفتيه ابتسامة النصر ظناً منه أنه المنتصر , قبل أن يبدأ الآخر في الرد عليه فيُسكته و يُفحمه , كان هذا ما حصل في أخر مُرافعة لقلبي و الذي ظن بأن هذا القاضي سينطق بالحكم لصالحه , بأنه سيأمرني بأن أعترف للقهوة بحبي لها , قبل أن يستدعي العقل شاهده الوحيد , دخلت نفسي من باب القاعة شاحبة اللون , أمرها القاضي بأن تبدأ الحديث , فبدأت بالحديث عن أول حُب لها :" أول مرة تحب يا قلبي و أول يوم اتهنى ", ثم استمر في الحديث عن ذاك الحُب الكارثي الأول حتى وصل ل:" ياما على نار الحب قالولي ولقيتها من الجنة " فالتفت حينها تجاه القاضي و قال :" بأن كل هذا كذبٌ يا سيدي القاضي" , فالحب بالنسبة لي لم يكن الا صفعات تلقيتها مِن من كان حبيباً , سواء كان الحبيب الأول الذي (سافر من غير وداع ساب في قلبي جراحه) أو الثاني الذي كان لسان حال الواقع يقول عنه (لست وحدك حبيبها) بل كل الذكور كذلك .
بدأ القاضي في النطق بالحكم بعد أن أنهى الطرفين كلامهما فقال.............
اللعنة لقد نفذ فنجان القهوة .

الأربعاء، 23 ديسمبر 2015

تهريسة ميلود

صباح يوم الميلود...
لم أشعل قنديلي البارحة .. ولم نعصد اليوم , ليس لأنها بدع , إنما لأنها الغربة , خرجت بالأمس باحثاً عن قنديلٍ أشتريه , درت في بلاد الفرنجة هذه فلم أجد سوى الأشجار في اسواقها , فميلاد المسيح عيسى هو الأخر قريب , و كما يقول المصريون , محمد نبي و عيسى نبي و كل من له نبي يصلي عليه , عدت من بحثي للبيت خائباً حزيناً , فالليلة هي المرة الأولى منذ عشرين عاماً لا يكون لي قنديلٌ أنيره , و كم كنت محتاجاً لذاك القنديل , لعله يضيء لي بعضاً من ليل الغربة المظلم , هي المرة الأولى منذ وصولي التي أفتقد فيها لمة الأهل , اجتمع رفقاء الغربة و إخوة المهجر , علت بيننا الضحكات و النقاشات , و بداخلي علت أصوات الذكريات , تذكرت اجتماع الأهل في بيت الجد , تضيء الشموع و القناديل المكان , و يملئ المكان صوت اللمة و أصوات الأغاني الخارجة من القناديل , مرت كل القناديل التي امتلكتها يوماً أمامي , و استحضرت أذناي كل الأغاني التي خرجت منها , ابتداءً من (طلع البدر علينا) و (يا طيبة) , تذكرت عندما كنا نخرج في الشارع كصبيانٍ صغار يحمل كل منهم قنديله أو (بيلته) , كان أكثرنا فرحا من حصل على ليزر, لم نكن نعرف لتلك الأشياء استخداماً سوى أنها تعطينا الفرحة في تلك الليلة , قبل أن نفقد اهتمامنا بها , فقد كبرنا , من ذا الذي قال بأن الإنسان يكبر على هذه الأشياء ؟! ..... لا أدري , ولكن اكتشفت اليوم مدى حماقتي عندما صدقته , فالمرء لا يكبر على الفرحة , بل هو يصغر أمامها , ارتسمت على شفتاي ابتسامة كنت قد فقدتها منذ أن فقدت طفولتي , قبل أن يقوم الجمع ويرحل و أدخل لغرفتي فأنام , للمرة الأولى أنام باكراً في هذا اليوم , للمرة الأولى منذ أن أبصرت على هذه الدنيا , أنام و بطني خالية من تلك المكرونة التي كانت عشاءً لنا في هذا اليوم , كان لها طعماً مميزاً و وراءها سراً غريباً , ربما يكمن السر في أن كل نساء العائلة تجتمع لتطبخها , كل منهن لها دورٌ فيها , فيكون العشاء مطبوخاً على دفيء العائلة , مُتبلاً بطعم الفرحة .

استيقظت هذا الصباح بمكالمة للأهل في الوطن , الكل يقول لي بأن مكان خالٍ , و أنهم افتقدوني في هذا اليوم , ولكن أنا الذي افتقدتهم , افتقدت صباحاً كنت استيقظ فيه على صوت العالي , صباحٌ كان يبدأ من رؤية الجد و الجدة , ربما لهذا مازلت أشعر بأن صباحي لم يبدأ اليوم بعد , فالجدة في دارها هناك , والجد في دار الحق عند ربه , أنهيت المكالمة و أسندت رأسي إلى حيث كنت أجلس , فلاح أمامي خيال طفلٍ صغيرٍ أخذه أبوه في مثل هذا اليوم منذ 16 عاما تقريبا إلى الزاوية , كانت المرة الأولى التي يذهب فيها ذاك الطفل إلى هناك , دخل فوجد المكان مزدحم بالناس و في المنتصف , جلس رجالٌ بيض الثياب يحمل بعضهم طبلاً و بعضهم بنديراً و يجلس آخرون هكذا , دونما شيء يحملونه , بدأ ضرب البنادير و الطبول , ضربٌ إيقاعي , جعل قلب يخفق مع كل ضربة , و بدء الجالسون يغنون ..
لا لم يكن ذلك غناءً بل كان شيئاً أخر أجمل و أسمى , كان اسم الله و اسم نبيه يُذكر في كل المكان , ولم يعلم إذا ما كان أحدهم رش عطراً في الجو أم أن هذا الذِكر هو الذي فاح عطره , الكل كان سعيداً و مبتهجاً, حتى ذاك الطفل الذي وقف مبهوراً بالعالم الذي اكتشفه , وما زاد فرحته و بهجته تلك الحلوة لذيذة الطعم التي اشتروها من هناك , لم يحفظ هذا الطفل اسم تلك الزاوية يوماً , و لكنه كان يحفظ مكانهاً , كانت بجوار محكمة الشمال , يحتضنها من الخلف شارع عمر المختار و مسجد بن كاطو , و عن شمالها ويمينها كانت المحكمة و أزقة ضيقة خرجت من الشابي تبحث عن مصدر هذا الصوت , الصوت الشجي الذي كان يردد :"
يا أمنة بشراك
سبحان من  أعطاك
بحملك لمحمدٍ
رب السماء هناكِ".

ما زال يذكر كل هذا حتى لو أن سنواتٍ قد مرت على ذهابه هناك أخر مرة , سنواتٌ مرت على خروجه منها حاملاً قطعة حلوة يتلذذ بها و هو يتمشى على الكورنيش , مازال يذكر كل هذا , كان هذا الطفل أنا , أنا الذي توقفت عن الكتابة الآن وجال بخاطري سؤال ..... هل يذكر البحر مشيِّ بجواره أم أن تتابع الأمواج جعله ينسى , هل تذكرين يا زاوية الرفاعية أم أنساكِ صوت القذائف حولك كل تلك الطبول التي قُرعت بداخلك ؟ ... هل تذكر أنت يا اخريبيش تجوالي فيك بعد الخروج من هناك ؟ , هل تذكر عندما كان أبي يُعرفني عليك و على كل أبنائك من شوارع ضيقة مُمتدة في حضنك , أم أنك كتبت هذه الذكريات على حجارة مبنى عتيق ضربه صاروخ فأوقع الحجارة أرضاً و أردى المبنى قتيلاً؟!؟!.

الاثنين، 21 ديسمبر 2015

بدعة


زكاتك من المال ........ بدعة
أكلك للعصيدة .......... بدعة

وزعوا مناشيركم ,و لتُبَدُّعوا, و لتكفروا أنتم أيضاً من يخالفكم , ما الفارق بينكم و بين من يسمون بالخوارج ؟! فالتكفير هنا و هنا , فليقل لي أحدكم لماذا تسمونهم تكفيريين ؟! ولكنكم لا تملكون لهذا وقتاً , فالحديث عن قيادة المرأة للسيارة و كيف تؤثر القيادة على مبايضها يأخذ كل وقتكم .

خذوا ما تشاءون  من وقت في هذا , فهو حقاً لإنجاز علمي , و لتأتوا بعد ذلك فتعتلون منابرنا , تصرخون بأعلى حناجركم في وجوه المواطنين تنهونهم عن مثل هذا الفعل , لم يعد للأمة مشاكل و هموم سوى الإجابة على السؤال ( هل ينقض الوضوء حمل قربة فيها ريح خرجت من أحدهم؟) , فليصرخ خطبائكم بأعلى صوتهم و أخشنه , وليزمجروا , و لينهروا بقوة الصوت من لا يمتثل لهم , فهذا الشعب الفاسق المبتدع يعطي زكاة الفطر مالاً , و جعل مولد النبي احتفالاً , اصرخوا فيهم , فهم لا يفقهون .

أما تعلمتم درساً من الذين سبقوكم ؟ أما علمتم بأن القوة لا تجدي نفعاً مع هؤلاء شيئاً ؟ ألم تنظروا لسيرة من تقولون بأنكم تتبعونهم و عرفتم كيف كانوا يخاطبون الناس ؟, فليصرخ خطبائكم على المنابر , و لكن أخبروهم أن يخفضوا صوتهم قليلا , فمكبرات الصوت ستتمزق من شدة صوتهم , ولا يوجد بالمسجد مالٌ نشتري به مكبراتٍ أخرى فالمتبرعون قد نفروا و هجروا المسجد بعد امتلاءه بأصواتكم الشذية .

حتى لو أرسلتم إلى الأسواق نفراً منكم , ومنعتم بيع العسل و الرب , سأكل العصيدة , فالدقيق موجودٌ عندنا, و كذلك السمن , و حتى لو نفذ, سأخذ من جيراني , سأكلها حتى لو منعتم بيع كل مكوناتها , ولكن قولوا لي أنتم , من أين ستأتي فتوايكم إذا ما فقدنا الاتصال بالسعودية ؟! , سأعلي صوت جلسات المدح و الحضرة , حتى لو لم أكن يوماً من مستمعيها , و لكن في هذا اليوم سأعليها , وليلعني كلٌ منكم ويصفني بالمبتدع , ولكن فليجبني أحدكم , هل كان الرسول يوماً سلفياً ؟! , هل اجتمعت مجموعة من التابعين و تفرقوا عن المسلمين بأن سموا لمجموعتهم اسماً و قالوا بأنهم هم الوحيدون الناجون الداخلون الجنة و قال بأنهم سلفية ؟
لم أقرأ يوماً في تاريخنا عن شيء كهذا , و لم أعرف في القرآن من مسمياتٍ سوا (مسلمين) , فمن أين أتيتم باسمكم هذا ؟ , أم تراه هو الأخر بدعة  ؟!!!!.