الثلاثاء، 14 يونيو 2016

قرار وزاري

نشرة أخبار الثامنة مساء في عام 2030
السادة و السيدات مساء الخير
قرر وزارة التربية و التعليم إضافة مادة اللغة الإيموجية إلى المنهج التعليمي في المدارس لتحل محل مادة اللغة العربية ,و قد جاء هذا القرار  بعد دراساتٍ و مناقشاتٍ و بحوثٍ نتج عنها أن مستعملي اللغة العربية في الكتابة قد باتوا مهددين بالإنقراض لذلك كان لزاماً على الوزارة أن تتحرك بسرعة لمواكبة التطور في العالم الخارجي , فتم إدخال لغة الإيموجي إلى المدارس و وضع من مزال يستعمل العربية للكتابة في محمية طبيعية.
و سيتم البدء في دراسة اللغة انطلاقاً من العام القادم , حيث سيشرح المنهج للطلبة  استعمال كل ايموجي و وظيفته , بالإضافة  إلى أنواع الجمل و طريقة صياغتها و تصريف أفعالها , و من أمثلة ما  سيُدرس في المدارس بعد هذا القرار هو المثل الشعبي (القرد في عين أمه غزال ) حيث صار يكتب بهذه الطريقة , *قرد*عين*إمرأة كبيرة في السن*غزال* , و قد لاقى هذا القرار استحساناً و قبولاً عند الطلبة و أولياء الأمور , و في حديثٍ مع أحد أولياء الأمور حول هذا القرار قال بأن هذا القرار قرارٌ حكيم من الوزارة لتسهيل الدراسة على الطلبة بعد أن انتشر استعمال هذه الرسوم مؤخراً .
هذا و قد نشر السيد وزير التربية و التعليم بيانا على صفحته الخاصة على موقع التويتر يقول فيه :
هذا القرار جاء بعد (دراساتن) وجدنا فيها أن الطلبة يعانون (كثيرن) مع قواعد الرفع و النصب و علامات التنوين , و أن الإيموجيات ذات استعمال أسهل بالنسبة لهم ,و سيتم في القريب العاجل فرض قوانين (أخري علي) الأقلية المستعملية للغة العربية , حيث سيتم الغاء حرف الألف المكسور (ى) بعد أن لم يعد الناس يفرقون بينه و بين حرف الياء (ي) , كذلك ندرس استبدال اسم لغة الضاد بلغة *وجه يضحك بدموع* بعد أن بات صعباً على الناس التفريق بين ال(ض) و ال(ظ) , خصوصاً بعد أن بات هؤلاء الناس يهاجمون كل من له أخطاء إملائية عند الكتابة , و من وجهة (نضرنا) بأن كل هذه الحروف و القوانين ليست الا شكليات تعيق تقدمنا كما تعيق ابداع أبنائنا ."
و ختم الوزير بيانه برسمات لي *يدان مرفوعتان للسماء*رسم خط بداية*رجل يمشي* , حيث قال مترجمون بأن هذه الجملة تعني "الحمد لله هذه بداية المشوار .

كانت هذه نشرتنا *يد تلوح إلى اللقاء* حتى نلقاكم في نشراتٍ أخرى 

الاثنين، 6 يونيو 2016

العودة إلى المستقبل (الإنترنت)


العودة إلى المستقبل أو Back to the future , فيلم من سنة 1985 من إخراج روبرت زيميكس ,يتحدث عن شابٍ يسافر بالزمن عن طريق ألة سفر إخترعها صديقه البروفيسور . إذا كنت من متابعي الأفلام فربما ستعرفه و إن لم تكن فعلى الأغلب ستتجه إلى العم جوجل و تقوم بالبحث عن الفيلم , قبل أن تفعل ذلك , هل تذكر كيف تطور الأمر بك لتصبح اليوم قادراً على إستعمال الإنترنت في البحث عن المعلومات ؟!
قبل عشر سنواتٍ تقريباً , اتجهت في ذات يوم إلى الكفي نت القريب منكم , دخلت و قلت بأنك تريد ساعة انترنت , فتح الرجل العامل بالمكان أحد الأجهزة و ذهبت إلى الجهاز المطلوب , جلست و قمت بفتح الإنترنت اكسبلولر المتصفح الوحيد الذي كنت تعرفه و الذي تعامله اليوم بإحتقار بعد أن كان له الفضل الكبير في أن علمك كيف تستعمل الشبكة العنكبوتية , ناديت صاحب المكان و قلت له بأنك تريد أن تفتح موقعاً على النت , عرف هو أنك تريد إنشاء بريد إلكتروني , ففتح لك واحدٍ على الياهو , في تلك اللحظة صار ذاك الرجل أذكى رجلٌ في العالم من وجهة نظرك , صار هو خبير الإنترنت عندك , بعد أن خرجت توجهت إلى صديقك و أخبرته عن فتحك للموقع , أعجبت الفكرة صديقك و اتفقتما على الذهاب معاً في اليوم التالي , جاء اليوم التالي دخلتما معا أخذتما جهازين و أنشيء صديقك بريداً , اكتشفتما في ذاك اليوم (الياهو ماسنجر) , بعد ذلك بأسبوع صار لكل أصدقائك بريد و صرتم تذهبون جميعا إلى الكفي نت لتتحدثوا معاً عن طريق الياهو ماسنجر , تزعجون بعضكم بخاصية  البز فيه و ترحلون , فتحتم إشتراكاً هناك و صرتم من الرواد الدائمين له ,تعرفت على مواقع أخرى كمكتوب و الMSN,  صرتم تعرفون الجوجل و أنه بإمكانك عن أي شيء فيه , بحثتم في الجوجل عن ألعاب فظهر لكم موقع ألعاب شمس , تعرفتم على موقع منتديات الخليج , فصرتم تدخلون بأسماءٍ وهمية , تعرفت على فتاة من السعودية على الأغلب كان اسمها عنود الرياض أو عيون الريم , أقنعتها بأن عمرك هو 21 سنة و تحدثتم معا طويلاً حتى تركت هي المنتدى فصار اسمك الأمير المجروح .
في مرحلة ما عرفت أن  الجوجل يجد لك حتى الصور  ,بدأت الإختلافات الفكرية بينك و بين أصدقائك بدأ كلٌ منكم في تغير صورة الياهو ماسنجر كل يوم , أنت كنت مهتماً بصور السيارات , صديقك الأخر كان مهتماً بكرة القدم و صور كاكا , أحدكم كان يضع صور مايكل سكوفيلد و بريزون بريك ,لكنكم اتفقتم في بعض الأشياء كبحثكم عن صور العجائب و الغرائب و صور الجن و الفتاة الذي سخطها الله إلى شيء يشبه القرد بعد رمت المصحف و سبت أمها , اتفقتم في البحث عن صور سنوات الضياع و صورة لميس بالزي الليبي التي صدقتم أنها حقيقية لجهلكم بالفوتوشوب , اشتركتم في بحثكم عن صور هيفاء و هبي و ..... احم احم .
بعد حصولك على هاتفك المحمول الجديد ربطته فوراً بالإنترنت , إنترنت ليبيانا و المدار وبدأت بالتعمق حينها , أكثر المواقع التي كنت تزورها كان واب تريك حيث كنت تجد الدردشة و الألعاب بالإضافة إلى الصور و أشياء أخرى , حتى استيقظت ذات صباح قبل سبع سنواتٍ تقريباً لتكتشف وجود مودم انترنت في بيتكم , بدأت علاقتك مع الإنترنت حينها بالتطور شيئاً فشيء , ربما دخلت و استكشفت الHI 5 قبل أن ينقرض و يحل محله الفيسبوك , أو قد تكون قد تعمقت في النمبز و صرت تكتب س ع و ش ج , تعملت كيف تقوم بتحميل الأشياء منه , سمعت من أحدهم عن الفيسبوك فصرت من أتباعه و مدمنيه حتى صارت كل حياتك قائمة عليه , عانيت من إنقطاعه فترة الثورة , ثم عدت له بقوة بعد أن هو و اقتحمت التويتر .
هكذا أو بشكلٍ مختلف قليلا بدأت و تطورت علاقتك بالإنترنت , بهذه الطريقة التي لن يعرفها أبناء جيل ال2000.

الأحد، 29 مايو 2016

مرشد سياحي 8 (الدلاعة)


اشتهيت في هذا اليوم بينما كنت عائداً إلى المنزل أكل الدلاع, أو ما يسمى بلسان العرب بالبطيخ , مررت على السوق الخارق أو السوبر ماركت , اتجهت رأسا إلى قسم الخضروات و الفواكه , أمسكت بواحدة , وضعتها بجانب أذني و بدأت في "الطبطبة" عليها , سمعت صوتاً ينادي قائلا :"أهمد"
نظرت إلى الدلاعة متفحصاً إياها باحثاً عن مصدر الصوت لكنه لم يكن منها , نظرت خلفي فوجدت تلك التركية الشقراء التي سألتني عن بنغازي يوماً , وقفت أمامي و قالت
:Why you are
#$@!@ ^&#%##@*(&&% *^$@! $%@# ?
حاول دماغي بسرعة ترجمة ما قالته فكانت النتيجة:" لماذا تصفع الماء مالون كأنك تصفع مؤخرة طفلٍ صغير ؟  ...." الماء مالون !! ,
ماذا بحق الجحيم تكون هذه الكلمة , تطلب الأمر مني نصف دقيقة لأستنتج  أنها تتحدث عن البطيخة التي على كتفي , فأجبتها بأني أفعل ذلك حتى أعرف إذا ما كانت جيدة أم لا , سألت بفضولٍ يشابه فضول أهل درنة الشهير "و كيف تعرف ذلك ؟" .
صاح صوتٌ بداخلي قائلا اللعنة !! أنا حقاً لا أعلم , أنا فقط أقوم بها كجزء من العادات , هل أكذب عليها ؟, انتبهت إلى أن صمتي قد طال قليلاً , نظرت نحوها بسرعة و قلت لها
:" ضعي أذنك عليها "
صفعت الدلاعة و قلت :" هل سمعتي هذا الصوت ؟" .
هزت رأسها قائلةً نعم , فأكملت قائلاً : هذا يعني بأنها جيدة ؟" . و لسببٍ مجهول أذهلها هذا , فسألتني بلهفة :" أين تعلمت هذا ؟" .
قلت لها بأنه جزءٌ من عاداتنا . قالت لي :" هلا حدثتني قليلاً عن عاداتكم ؟".
ضحكت قليلاً و قلت لها :" الأمر معقد و هي كثيرة لا أعلم سرها كلها , مثلا لدينا عادة بأن نضم يدنا إلى صدرنا بعد مصافحة أحدهم , و لا أعلم سر هذا الشيء المتعب أحياناً , فمثلا في بعض المناسبات يكون الرجال صفاً يجب عليك أن تمري عليه و تسلمي عليهم فرداً فردا و تخيلي أن تسلمي على عشر رجالٍ مثلاً و تضمين يدك إلى صدرك بعد كل مصافحة , أحيانا أشعر بأني شيعيٌ في يوم عاشوراء أثناء قيامي بذلك , و على ذكر المناسبات , لدينا معتقدٌ غريب عند كبار السن بأن كل شابٍ يتمنى الزواج , و عندما تقابلين أحدهم أثناء عُرسٍ ما , لن تسمعي شيئاً منهم سوى "عقبالك" و هو دعاء بأن يكون زواجك قريباً , و أحياناً تلحق بجملة "نفرحوا بيك" , كان هناك عجوزٌ طاعنة في السن تقول ذات الجملة عندما تقابلني :" عقبالك تفرح بوك و أمك ان شاء الله " , ذات مرة التقيت بها في عزاءٍ فتمنيت لو أستطيع أن أقول لها :" عقبالك تفرحي زوجات أبنائك ان شاء الله ". و في تقاليدنا أيضاً , أن إندلاق القهوة يعني وجود مبلغٍ مالي في الطريق لصاحب القهوة و أن الحذاء المقلوب يعني قرب سفر صاحبه , و هناك أيضاً بضع أمثلة تقال دوماً رغم أني لا أفهمها فمثلاً هناك (شارعين و دردوحة) و يتم إستعمال هذه الجملة لوصف مدينةٍ أو دولةٍ صغيرة الحجم , و منذ أن أبصرت هذه الدنيا و الناس تستعمل هذه الجملة لوصف مكانين في العادة , درنة و مالطا , و الدرودحة في قاموس مختار المذراح تعني الطربق المنحدر من أسفل إلى أعلى و يقال للجزء العلوي منها , علوة , و قد ذكر ابن بطبوطة في كتابه أن أشهر العلوات في بنغازي علوة سيدي حسين التي و تقول الغيطة الشهيرة:" سيدي حسين امية حلوة , تدردح من فوق العلوة " و سيدي حسين هي منطقة شعبية سميت نسبة لوالٍ صالح قطن بنغازي قبل قرون , أما الغيطة فهي لونٌ من ألوان الفن الشعبي المنتشرة في بنغازي في المناسبات و الأفراح , و على ذكر الفن الشعبي في الأفراح فهناك أيضاً شيء يدعى الكشك .." قاطعتني بوقاحة الفرنجة و قالت
: what’s kshk ?
أردت أن أقول لها و هل فهمتي معنى الغيطة حتى تسألي عن الكشك لكني لم أفعل فقلت لها في محاولة لترجمة الكلمة :" كشكي-جنق " متبعاً قاعدة إضافة الإي إن جي لأي فعل بالإنجليزي , و أكملت شرحي لها عن الكشك فقلت :" يجتمع مجموعة من الرجال يلقي عليهم أحدهم أهزوجة فيبدؤون بترديدها مصحوبة بتصفيقٍ يشكل إيقاعاً موسيقياً , يتخلل هذا عرض فني من فنانة استعراضية نطلق عليها لقب هجالة , و ينتشر هذا الفن في الجزء الشرقي من البلاد و عند أهل البادية و نحن نتطير من عدة أشياء و نعتقد بأنها نذير شؤوم و تجلب سوء الحظ , في المعتقد الشعبي أن صوت المقص يجلب الأشياء السيئة لذلك نهانا أهلنا عن اللعب بالمقص , كذلك يعتبر صوت طرق معالق الأكل ببعضها البعض .. ".
-"مهلا , أنتم تستعملون ملاعق الأكل ؟, ألا تأكلون بأيديكم كما في الأفلام ؟"
اللعنة على هوليوود التي أفسدت كل شيء ,قلت لها :" كلا , هؤلاء السعودييون و لسنا مثلهم , نعرف الملاعق ولا نعيش في الصحراء و لا نمتطي الجمال كما في الأفلام كوسيلة مواصلات "
مرت بقربنا حينها عائلة ليبية مكونة من أبٍ و أمٍ و ابنتهما , و ما أن رآني الأب حتى عرف بحدسه الليبي بأن من يقف أمامه أيضاً ليبي فما كان منه إلا أن أعطاني نظرة تقول لي :" لو راجل بحت في بنتي", لم أهتم بهم بل عاودت الحديث مع الفتاة و قلت لها : من عاداتنا أيضاً أن نكون (نقصيين) و أن نتخذ وضعية دفاعية عند وجود أي ليبيٍ في الجوار و خصوصاً إذا كان شاباً و كانت بصحبتنا فتاة أو امرأة و الأن فلنخرج بسرعة حتى لا أصادف هذه العائلة مرة أخرى في ممرٍ أخر فيظن الوالد بأني ألحقهم لا سامح الله".

الخميس، 26 مايو 2016

براد شاهي 9


رأيت خيالك مارقاً في طاسة شاهي ما بعد الظهر , توقفت كل حواسي و أحسست بشللٍ في إدراكي , للمرة الأولى أجلس فقط أراقب الشاهي , أردت أن أخبرك بضعة أشياء لكني إرتبكت , لم أعرف بما أبدأ
, هل أقول بأن عيناكِ أجمل ما رأيت ؟
 هل أقول  بأني في كل مرة أكون فيها حزيناً أكتفي بالنظر فقط لهما فتنزاح كل الهموم ؟
 هل أقول بأن لكِ إبتسامة تجعلني حين أراها كدرويشٍ يؤدي رقصته فيبحر في عالمٍ غير عالمنا ؟
 هل أقول بأني لم أرى شيئاً كهذا قبلاً ؟ لا أدري ما هو إن كان حباً فسأقول أحبك بكل لغات الأرض أ
قولها ti amo بلسان أهل روما ,
 Je t'aime بلسان فرنسيٍ يحتسي القهوة في الشانزيليزيه ,
 من شما را دوست دارم بلسان عاشقٍ أتى من بلاد فارس يبيع سجاداً فارسياً وقف بجانبه رجلٌ تركيٌ يقول لزوجته seni seviyorum عند مضيق البسفور
و لو كان الأمر بيدي لطلبت من هؤلاء أن يقطفوا لي ورداً أضعه مع بعضه فتكون باقة بكل لغات أهل الأرض أضعها أمام باب البيت و أرحل و لكن ليس ذلك بالإمكان ,  و لو كان هذا الشيء وهماً فما أحلاه من وهم  .
هل تراني أقول بأني كنت أخشى الإعتراف بذلك ؟! ,
 كنت أهرب من قول ذلك , فكل الأصوات التي سمعتها في رأسي قبلاً و حديث الضمير الدائم لي حول ما يجب أن يقال , كلها علامات كنت أعرف أنها تشير إلى شيءٍ واحد , علاماتٌ قد رأيتها قبلاً و عرفت معناها ففضلت الهرب منها , لأنني و كما قلت قبلاً قد رأيت بأن الحب و كل المشاعر ضعف.
 و الأن قد بدأت اقتنع بالعكس , قد صرت أرى بأن الهروب هو الضعف و أنه لا خيار أفضل من المواجهة , حتى لو كان الأمر يحمل مرورة كالتي في كوب الحنظل , سأشرب الكوب , سأفعلها كعابدٍ ناسكٍ في زمن الإغريق الأوائل إرتكب إثماً فكان عقابه بأن يخدم الألهة طول عمره , و أن يصير من الخالدين حتى يكون عقابه أبدياً , سيؤدي عقابه و بداخله شيءٌ من الفرح أثناء ذلك , فرحٌ لا ينفي كونه عقاباً لكنه يضيف قليلاً من المتعة إليه .

ورقة نعناعٍ طفت في الطاسة فحركت صورتك و أزاحتها لترحل صورتك و ترحل معها أفكاري.

الجمعة، 6 مايو 2016

مرسال لحبيبتي (2)


 بضعة صحون نسيت إخراجها للمطبخ ملابس متسخة و أخرى نظيفة , وردة ذابلة على الأرض هذه معالم غرفتي التي أجلس فيها , لم أستطع منع نفسي كالعادة من التفكير فيها , مايزال لساني يريد البوح لها بتلك الكلمة و لم أعرف هل يجب علي قولها؟! و إذا كان هذا واجبا فكيف عساني أقولها؟! ولأني لا أستطيع التعبير عن نفسي إلا بالكتابة , وجدتني أكتب لها رسالة أخرى
عزيزتي بنغازي و من غيرك عزيزتي .
اعذرينِ عن قساوة رسالتي الأخيرة و لكن لم يكن بيدي حيلة, مشاعري و أحساسي قد كانت مبعثرة كالأشياء الموجودة في الغرفة الأن , أشتاق لك كثيراً و يا ليتك تعلمين هذا , أشتاق لك كإشتياق شارب الخمر الذي قد شعبن و إمتنع عن الشرب , كإشتياق مدخنٍ لسبسي الفطور في رمضان , أشتاق لك كإشتياق المرسكاوي للصافي و كإشتياق مواطن فيك لراتبه ,لكنني كنت أنكر فالشوق عندي ضعف , و لم أرد أن أضعف , حاولت نسيانك لكني لم أستطع , كيف لي أن أنساك و فيك كل ذكرياتي حلوها و مرها , كيف أنساك و فيك أهلٌ و صحبٌ أشتاق لأيامهم , كيف لمن جلس و شاهد زرقة بحرك عند الشابي لحظة غروب تلونت فيها سمائك بالأحمر , كيف لمن شاهد هذه اللوحة بأن ينساك ؟!, كيف لمن اشتم رائحة سبخك الممتزجة بعطر وردك البلدي زهري اللون أن ينساك ؟! , كيف لمن سار بين أحياء التي مر عليها الترك و الطليان و الإنجليز و رحلوا أن ينساك , كل المدن تمر علي مثل مرروهم و ترحل مثل رحيلهم و وحدك أنت الباقية دائما و أبداً في ذاكرتي , تبقين بسكونك و صخبك , بأفراحك و أحزانك , بشيبك و شبابك , أقول مرة أخرى بأنك لوحة جمعت كل التناقضات فكان هذا سر جمالها , سرٌ لن يفهمه أحد إلا من عاش فيك , و جمالٌ ألهم أبنائك فخرج منهم مبدعين في كل المجالات , منهم رسامين كالزواوي , اعبيدة , فتحي العريبي و عبد القادر بدر  خلفهم الوكواك ينحت تماثيله , في غرفة جانبهم جلس كتابٌ و أدباءٌ ألهمتيهم فخرجت منهم كلمات داعبت الأوراق كلهم يحكون عنكِ , فرفيقٌ يكتب أشعاره عنك , و يحكي الفاخري قصصك و كذلك يفعل الأصفر , بينما يجلس النيهوم على أعلى منارتك يتأمل فلسفتك , و على جدرانك يا حلوتي أشعارٌ و قصائد غناها الصافي و بونقطة و من قبلهم كان الشعالية و محمد صدقي, و فيها سيمفونية عزفها فكرون على قيثارته , ثم أذعاتها بناتك الحميدتان العنيزي و بن عامر و خديجة الجهمي , بين أزقتك الضيقة حكايات لأطفال لعبوا الكرة هناك يوماً كالعس و ونيس , كمونة و معتز , و حتى اليوم ما يزال هذا السر ملهماً لأبنائك , و ستظلين تخرجين المبدعين يوماً بعد يوم , أرى فيك مالكاً* يحمل لواء الرسامين يسير معه بن غزي* بقلمٍ و مفكرة يكتب فيها كلاماً يلقيه بعدها من شباكه على بحر جليانة الذي يحتضن سالماً* و هو يسبح , يراقبهم من أعلى من توفيقٌ و سامي و سلوى و غيرهم مِن من رواك بدمه .
ستظلين دوماً ملهمتهم و سيظلون دوما أبنائك , و سأظل أنا أحمل الشوق بداخلي على أمل أن ألقاك قريباً .

*مالك الحداد: رسام شاب من بنغازي
*أنس بن غزي: صاحب مدونة شباك
*سالم بدر : بطل ليبيا في السباحة

الاثنين، 2 مايو 2016

بعد مائة عام


اننا في العام 2116..
مائة عام مرت على كتابة هذه الكلمات و انا مازلت اكتبها..
مائة عام قد مرت على موعد نومي و مازلت لم أنم بعد...
مزال كل شيء على حالته قبل مائة عام...
رجلٌ وقف أمام المصرف قبل قرن و لم يجد سيولةً بعد...
مزالت لليبيا ثلاث حكومات....
و مازال مركز رأس أعبيدة يحترق عندما يحدث حدثٌ في بنغازي...
مزالت المنارة تضيء....
 و ماتزال أصوات الدف و البنادير تُسمع من زاوية الرفاعية رفقة أصوات القذائف الراقصة جنبها..
ماتزال أغاني المرسكاوي فقيرة بعد إعتزال الصافي...
و مزال تشافيز يتحدث عن مبارة إنتهت ب3-1.....
و مازال العالم يتسائل عن هذا الشعب الرائع....
إننا في العام 2116....
مايزال أستاذ التاريخ يكذب و يزيف التاريخ....
و مايزال الطلبة يصدقونه و يعتقدون بأنه قد كان للعرب حضارة يوماً...
ما يزال ذلك الفتى الحالم يقول بأن أمة العرب ستعود من جديد ....
بجانبه فلسطيني يوافقه الكلام و يقول بأن العرب سيحررون بيت المقدس مرة أخرى ....
كلاهما غافلٌ فلم يكن للعرب يوماً أمة حتى تعود من جديد ....
و لم يستطيع العرب يوماً تحرير بيت المقدس... ليس لوحدهم على الأقل....
و مازال الغرب يحيكون لنا المؤامرات و يضعون لفظ الجلالة على الجوارب حتى ندوس عليها...
و ندوس زر الإعجاب فإن لم نفعل فالشيطان قد منعنا....
مازال الشيخ الفلاني يناقش أضرار القيادة على صحة المرأة....
و مازال العالم العلاني يؤمن بنظرية داروين التي لم يجدوا حلقتها المفقودة بعد....
ماتزال خلايا جسمي كما هي , لم تتطور و لم تتغير مع تغير الظروف ...
مرت مائة عام
ما يزال الكلب في الخارج ينبح و بجانبه قطة تموي....
وقد بدأت في قراءة مائة من عامٍ من العزلة
و لم تنتهِ الرواية بعد ولم تنهِ المئة عام
و مازلت أنا أكتب....
لمن أكتب ؟!...
هم لا يقرؤون , أو تراهم يقرؤون و ينكرون أو ينسون ...
مازلت أجلس عند البحر أحيانا...
و مازالت طيور النورس تحلق في السماء جاعلة منها وطناً لها
و مازلت أشرب القهوة...
أكره من أكره و أحب من أحب...
بعد مائة عام مازلت نا هو نا ....


السبت، 23 أبريل 2016

في بنغازي


سألتني تلك الشقراء حفيدة كمال أتاتورك و نحن نجلس في قاعة المحاضرات ننتظر قدوم الدكتورة , قالت لي حدثني عن بنغازي .

" قد مرت أشهر على رؤيتي لبنغازي أخر مرة , و قد شوهتها الحرب في أخر مرة رأيتها , فسأحدثك عن ما رأيته قبل الحرب , في الصباح بنغازي جملية تعانق الحياة و ترقص معها وسط زحام وسط البلاد , و في الليل ترقد بسلام جانب السهارى , في بنغازي رجلٌ كبيرٌ في السن خرج يبحث عن رزقه خلف مقود سيارته , يركب معه شابٌ يقصد الجامعة طلباً للعلم و لشهادة يعمل بها , يتبادلان في الطريق أطراف الحديث و عند الوصول يحلف الشايب للشاب بأن يبقي ثمن الكورسا في جيبه إن لم يكن معه غيره و يحلف الشاب للشايب بأن يأخذ الدينار و النصف فمعه غيرها رغم أنه لا يمتلك إلا ثلاثة دنانير و نصف غيرها , سيشتري لاحقا بدينارٍ قرطاس الأمريكانا و بنصفٍ كوب مكياطة  , و يعود إلى بيته و يشتري بعض الخبز بما تبقى , و الشايب بحاجة الدينار و النصف فمن الصباح لم يجد كورسةً أخرى , لكن في نفوس أهل بنغازي بعض العصرنة , فحتى المحتاج لا يبوح بحاجته , في بنغازي شيبٌ إعتادوا منذ سنواتٍ الجلوس بقهوة لبدة أو بالمقهى الرياضي , يقضون ساعات الصبح بين مقاعدهما , كل الوجوه هناك تعرف بعضها , و من الوجوه فقط تقرأ قصصاً لتاريخٍ قد مر و ولى , في بنغازي شبابٌ وقفوا ليتناولوا فطوراً , و عند الفطور في بنغازي تجد أمامك خياراتٍ ترضى كل الأذوق , فعبد الغفار بتنه و (دحيه) , و حميد بفوله و حرايمه و مشكله , و ال بولفية بمفرومهم , و ملك الفاصوليا إحميدة بفاصوليته الشهيرة , ختم دخولك لبنغازي لا تأخذينه من مطارها بل من أحد هذه المطاعم , و كما يقول المصريون بأن من يشرب من النيل سيعود إليه من جديد , فمن يأكل من هذه المطاعم حتماً سيعود طلباً للمزيد فلن يجد مثل هذا المذاق أبداً , في بنغازي وقت الصباح طلبة جلسوا في مدارسهم ينتظرون إنتهاء دوامهم و أخرون منحوا لنفسهم يوم إجازة يقال لهم معكسين , ينتظرهم عقابٌ شديد صباح اليوم التالي إذا ما إنتبه لهم أحد المدرسين , لكن هكذا أهل بنغازي يحبون خوض المخاطر مدام في الأمر بعض المتعة , في بنغازي وقت الظهيرة يصطف أولياء الأمور أمام المدارس ينتظرون خروج أبنائهم , يقف بعض الشبان أمام إحدى مدارس البنات يسترقون النظر ,بعضهم ينتظر فرصة  ليرمي ورقة بها رقمه و يعود إلى مكانه لينتظر ردة الفعل كصيادٍ القى صنارته و جلس منتظرا خروج سمكة و بعضهم جاء فقط ليراقب أو (يكحل) بمسمانا الشعبي , و أي كان من أطلق هذا المسمى على هذا الفعل فهو رجلٌ بليغ , شبه مراقبة الشاب لفتاة بمن يكحل عينه و يزينها , و في بنات بنغازي توزع جمال الحسناوات الثلاث , في بنغازي وقت الظهيرة لا تشم شيئاً سوى رائحة الطعام الخارجة من كل المطابخ , كل رائحة تحكي لك قصة صاحبة البيت و روعة طبخها , في ما بعد الظهيرة تنام بنغازي بعد أن تناولت وجبة الغداء و شربت بعدها طاسة من الشاهي في عادة بدأت تختفي في بعض المنازل , فبنغازي تدمن شرب الشاهي , تشربه في إفطار عزائزها صباحاً , و بعد غدائها و عشائها , تُقيل بنغازي حتى أذان العصر , تسكن المدينة فلا تسمع فيها شيئاً سوى أصوات بضعة أطفال خرجوا يلعبون الكرة أحيانا و البطش أحياناً , و أحياناً يخرجون في جولة بسيارة يقودها طفلٌ نجح في خطف مفتاح السيارة من جيب والده أثناء نومه , و في أحد الشوارع الخلفية مجموعة مراهقين حصلوا على سبسي واحد فبات يدور بينهم و كانت حينها (تديخنة جو) , بعضهم سيكبر قليلاً و يترك هذا الجو و أخرون سيدمنونه ,  تستيقظ بنغازي شيئاً فشيئا بعد أذان العصر فتبدا جراجات المحلات بالإرتفاع و تعود الحياة بالتدريج إلى المدينة , و تمتلئ الطرق بسيارات الخارجين كلٌ إلى وجهته , شابٌ يحاول اللاحق بتقويته , أخر يسرع ليفتح محله و يسترزق , خلفهما شابٌ ثالث خرج يقصد مقهى يجلس فيه حتى يحل المساء ينظر الأن في سيارة بجانبه بها عائلاتٌ خرجت ربما لزيارة بعض الأقارب و ربما للتسوق و قد تكون خرجت فقط لأنها تريد الخروج , في بنغازي مهما كانت درجة الحرارة فستجد من يجلس على المقاهي بكل أنواعها  , و عندما يحل الليل يكون لبنغازي لونٌ أخر , في بنغازي شوارعٌ تتسع للشباب بإختلاف أنواعهم فهناك البيبسي و دبي و هناك العقيب و أزقة البلاد , و هناك من لا يحب الشارع فيظل في قهوته التي جلس فيها منذ العصر , تتناول بنغازي العشاء من أحد مطاعهما , أحيانا تقرر الجلوس في المطعم و أحيانا تأخذ أكلها و تقصد بيت أحد الأصدقاء أو تخرج للجلوس به على الكورنيش أو عند الكابترانية , هناك تجدين شيخاً يجلس يتأمل سكون البحر و يسبح ربه , و شاعراً يكتب قصائد عن محبوبته و يلقيها على البحر ليأخذ رأيه فيها , و سكرانٌ قادته سكرته إلى هناك فجلس يستمع للصافي عند البحر , و خلف كل هؤلاء متصوفٌ جلس بزاوية الرفاعية يررد بعض المدائح و يعيش في عالمٍ أخر , كل منهم يجلس لوحده , لكنه ليس حقاً لوحده , فبحر بنغازي ينصت لهم , ينصت لتسبيحات الشيخ و كلمات الشاعر , و ترقص أمواجه مع كلمات الصافي و مدائح المتوصف , كذلك يفعل إخريبيش و المنارة , و كل بنغازي , فبنغازي لوحة جمعت كل نقيضٍ في العالم فكان هذا التناقض سر جمالها , لهذا غنى الصافي و قال : تغربت و شفت بلادات إلا هيهات لبنغازي ما لقيت خوات .
هذه هي بنغازي يا بنت تركيا فحدثيني عن مدينة عندكم بهذا الوصف إن كان عندكم مثيلٌ لهذا .