الأربعاء، 18 نوفمبر 2015

رسائل مغترب (البداية)

"عزيزي أبي (كيفك إنت ؟) , أعلم بأنها أغنية رومانسية و ليس هذا موضعها , و لكن لم أجد في قاموسي أغنية تخص مغترباً يراسل أهله , قد مر شهرٌ تقريبا على فراقكم , أعلم بأننا كنا على اتصال شبه يومي عن طريق هذا الفايبر , و أنك قد تقول بأن زمن الرسائل المكتوبة قد ولىَّ , ولكن لم أجد إلا هذه الطريقة لأهرس بها .
جلسنا في صالة انتظار مطار أتاتورك ننتظر الطائرة المتجهة إلى مطار إيرجان , و الذي سأتحدث عنه لاحقا , لفت انتباهي هنا بأن كل أرضية الصالة مفروشة بسجاد , و بها حائطان من النوع الذي نعرفه , أما الحائطين الآخرين فهما من الزجاج , مشهد لم أره لا في مطار بنينا المفقود أو الأبرق , قد يقول أحد الفرنجة أو ليبي متفرجن ( ينتمي للفرنجة يعني) بأن هذا الأمر هو من تصميم و جماليات المطار و هو في كل مطارات الدول المتقدمة يستحيل أن نراه في ليبيا , ولكن كلاهما أحمق , فمهندسونا المتفطنين الذين صمموا المطارين عارفون بأجواء بلادنا و مناخها , فتخيل مشهد هذا الزجاج في يوم (قبلي) أو كيف ستكون هذه السجادة في يوم ماطر , سيفسد جمالهما و تتسخ , و سيكون لزاماً على الدولة الليبية أن توظف عمال نظافة يقومون بتنظيفهما يومياً , تخيل كم سيكلف هذا ميزانية الدولة .
خرج صوت من مذياع موضوع في ركن الغرف يقول بأن الطائرة قد تأخرت على موعدها نصف ساعة , و عندها كدت أن أصرخ في وجه أحد العاملين , فكيف يقولون بأن الطيارة ستتأخر لنصف ساعة , أيعقل هذا ؟ أي استهتار عندهم جعلهم يقولون بأن تأجل الرحلة لنصف ساعة هو تأخير , ألم يسمعوا عن مواعدينا؟ , إن شخصاً ليبياً مثلي اعتاد على مواعيد طائراتنا , لن يحتمل أن تتأخر طيارته نصف ساعة فقط , و سينظر له كنوعٍ من الترف , و في الواقع بعد أن فتحوا لنا أبواب الصعود قبل ربع ساعة كاملة من الموعد الجديد خشيت أن أكون حجزت و بالخطأ على مقاعد الدرجة الأولى و العياذ بالله , نعم العياذ بالله , فمقاعد الدرجة الأولى هي في المقدمة و إذا ما وقعت الطائرة ستكون هي أول مقاعد تتلقى الصدمة.
صعدنا للطائرة و جلس بجانب رفيق هذه الرحلة المدعو سالم بدر , و فور إقلاعنا توقعت بأن تنزل شاشات من سقف الطائرة تظهر فيها الطائرة و المسافة و الوقت المتبقيين حتى وصولنا , ولكن ذلك لم يحدث و طوال هذه الرحلة لم يكن هناك شيء يستحق الذكر سوى إني اكتشفت بأن الوجبة التي تتناولها في الطائرة ليست دائماً محسوبة في التذكرة , فبعد أن رسم عقلي توقعات لما قد تكون وجبة على هذه الطائرة (الأوربية) صُدمت بأنك إذا أردت أن تأكل عليك أن تدفع , كم هم ماديون هؤلاء الأجانب .
وصلنا إلى مطار إيرجان و هو مطار صغيرٌ هادئٌ يضاهي في حجمه مطار الأبرق , ولكن حاشى لله بأن يكون مثل الأبرق , فالمنطقة الحر و المقاهي الموجودة في الأبرق ليست في إيرجان هذا الموجود في دولة قبرص , و بالمناسبة يا أبي إذا ما كنت تظن أن قبرص هذه هي تلك التي يتكلم سكانها اللغة اليونانية و يقصدها السياح كل  عام بالألوفات , فاسمح لي بأن أصحح معلومات , افتح الخريطة و ابحث عن جزيرة ضئيلة بالقرب من تركيا و اليونان , هل رأيتها ؟! حسناً , نصف هذه الجزيرة هي قبرص التي تظن و للأسف لست هناك , أما النصف الأخر فيدعى , جمهورية قبرص التركية , أو قبرص الشمالية , و هي جزيرة موجودة في أوربا جغرافياً , عاداتها و تراثها و لغتها تركية .
كان يجب علينا بعد وصولنا أن نأخذ حافلة تقلنا من المطار إلى مدينة (فاماغوستا) مقر إقامتنا الجديد , و عند جلوسي في هذه الحافلة بدأت أغنية ذاك المغني التونسي الشهير بالتي (جاي من الريف للعاصمة) تدور في رأسي , فقد صَوَّر لي عقلي بأن ليبيا موطني هي ريف و أوربا هذه هي العاصمة , و لكن ما أن خرجنا حتى وجدت الريف أمامي , مزارعٌ و أشجارٌ على طول الطريق حتى ظننت بأننا نزلنا في مطار الأبرق , و أن هذه الطريق هي طريق المرج , فالتشابه بينهما كبير , اللهم إلا في شيء واحد , وهو أنهم يسيرون على الجهة اليسرى من الطريق , و سياراتهم ذات مقود على الجهة اليمنى ,(ستيرسو يمين) حقا, و ليس كما نقول في بلادنا , هكذا كانت بدايتي في هذا البلد و هذه بداية الرحلة".

السبت، 24 أكتوبر 2015

عاشوراء


تجلس في ليلة عاشوراء مع كبار السن في العائلة لتستمع لأحاديثهم و قصصهم في أحد منازل بنغازي و الذي إن قُطع التيار الكهربائي عنه فهو نائرٌ في هذه الليلة بنور لمة الأهل و اجتماعهم , و بينما أنت منصتٌ لحديثهم تأخذ الذكريات أفكارك و تعود بك لزمن الطفولة , عندما كنت مرسولاً لطبق الحمص و الفوصل , عندما كنت تعود في مثل هذا اليوم من المدرسة منهكاً في يوم شتويٍ ماطر فترمي حقيبتك ثم تبدأ بماشرة مهامك كسفيرٍ للنوايا الحسنة بهذا الطبق , فتحمل الطبق الذي تسلمه لك أمك و تذهب به لجارتكم فلانة , تقرع الباب و تقف و عندما يسأل المنادي من المنزل :" من ؟" تجيب ببراءة الطفولة :" أنا" , تفتح الجارة و تسلمها الطبق و معه الرسالة المحمولة :" تسلم عليك أمي و تقوللكم كل سنة و انتوا طيبين " , ثم تقف منتظراً كما أمرتك جارتكم حتى تأتيك بطبقهم , يمنعك حياء الأطفال أحياناً من الدخول و من النظر لما بداخل المنزل أحياناً أخرى , تأخذ الطبق و تعود به في رحلة العودة إلى منزلكم تلتفت يميناً و يساراً لتتأكد بأن الشارع خالٍ من المارة ثم تدك إصبعك بالطبق لتتذوق بعض ما فيه قبل أن تدخل به إلى المنزل , ثم تعيد كل ما فعلته سابقاً مع كل جارة , و في كل مرة تتذوق من طبق الجارة فرغم أن الفول واحد و الحمص واحد و لكن النكهة تختلف من بيتٍ لبيت , و تختلف طريقة التحضير من عائلة إلى عائلة حسب أصول هذه العائلة , فهذه تسلقه و هذه تطبخه , تعطيك إحدى جارتكم طبق فتنظر له بنية التذوق فتجده طبق "بليلة" فتحل الفرحة بقلبك لأن أمك الدرناوية لا تصنع هذا الطبق كعادة الدراونة .
تعود للغرفة الحالية في الزمن الحالي تنظر لكل الأقرباء و على وجهك ابتسامة فرح بسبب الذكريات , تجد بأن الكبار ما زالوا يتحدثون عن ذكرياتهم أمام المائدة التي شملت بواقي طبق "السليقة" و أطباق البليلة التي أعدتها جارتكم , تستمع لحديثهم مستمتعا ببساطة الحياة حينها عندما كان الأطفال يدورون في الشوارع باحثين عن الفول و الحمص و طالبين لعاشورتهم مرددين :" اللي ما تعطيش الفول يقعد راجلها مهبول" , و كيف أنهم كانوا يخافون من الفتاشة , تلك الغول التي كانت تأتي لتفتش بطون الأطفال في أسطورة لا أذكر بقيتها , عند بوسعدية و ركضهم خلفه مرددين :" وين حوش بوسعدية"  , وكيف  تجلس الفتيات عند العمة أو الخالة التي تأخذ الكحل بيدها و تضعه على أعينهن .
تكتشف بأننا بدأنا في نسيان هذه العادات,بأنه  شيئاً فشيئا بدأت عاشوراء تفقد متعتها , بل و كل المناسبات كذلك فمن الطفل الذي سيصدق وجود غول اليوم , ربما سيصدق وجود مصاص دماء أو "زومبيز" و لكن لن يؤمن بالغولة فهي أسطورة قديمة , حتى بعض الفتيات لن يعجبهن الكحل العادي , و سيرفض بعض الأطفال توزيع طبق الفول و الحمص على الجارات , فالحياة باتت أصعب و أقسى و بات الناس يرفضون أن يحتفلوا بمثل هذه الأشياء وسط الحزن و الألم و وسط أصوات النشاز الهاتفة :" بدعةٌ بدعة " ,  فبوسعدية أصبح مفقوداً خرج و لم يعد , و بيته لم يعد إلا ركام تراب يرقد بجانب منارة إخريبيش , أما الكحل على أعين الفتيات الصغيرات قد ساح بعد امتزج بدموع حزن على أخٍ قُتل غدراً و القاتل مجهولة .

الأربعاء، 21 أكتوبر 2015

المية تروب


  جالسٌ في غرفتي أتأمل بحسرة و تأسفٍ على صور لأيام الشباب , حيث الطيش و التهور حيث لم تكن حدودٌ لأحلامنا و لا أفعالنا , حيث لم يمنعنا التهاب المفاصل من الجري وراء كل شيء نريده , في تلك الأيام التي لم نظن بأننا سنكبر يوماً ما , و لكن ها قد حد ضعف مفاصلنا من أفعالنا , و لم نعد نحلم فكيف نحلم و قد منعت الآم الأمراض النوم عنا .
تدرجت في الصور شيئاً فشيء مرور بكل ما تلى مرحلة الشباب من مراحل , صورتي مع أمي و أنا حامل لشهادة تخرجي , صورتي في أول يوم عمل لي , حتى وصلت لصورة وددت لو أني أستطيع أن أرميها و لكنها تضم أكثر شيئين أحببتهما منذ خليقتي , صورتي مع تلك التي كانت لي زوجة بينما كانت تحمل أول و أخر ابن لي .
سرعان ما تذكرت سبب كرهي لتلك الصورة أو على الأقل جزء منها , تذكرت الفرحة التي كانت في الأجواء عندما خرجت هي من عند دكتورة النساء و قالت لي بأنها حامل , تذكرت كيف أني لامست السماء بجسدي و روحي و وجداني عندما عرفت بأن الجنين الذي ببطن زوجتي هو ولد , و كيف انهال الدمع من عيناي فرحاً عندما حملت ذاك الطفل الذي قد وُلد للتو , تذكرت كيف أن قلبي قد قُسم لنصفين  نصف ملكه هذا الكائن الملاكي الجميل و نصف بات ملكاً لتلك الأنثى , كيف عشت بحبهما كل أيامي .
و بينما أنا كذلك دخل ابني من الباب قاطعاً حبل أفكاري و عائداً بي عشرين سنة للأمام ألقى علي التحية و دخل مسرعاً إلى غرفته فأحسست بأن خطباً قد ما أصابه فلحقت به و قرعت باب غرفته و دخلت جلست و قلت له بأنه إذا ما كان يعاني من أمر ما فبإمكانه أن يتحدث إلي كصديق أو كأخ لا كأب , فقال بأنه ليس بحاجة إلى ذلك أعدت العرض عليه و خرجت , عدت لمجلسي الأول و إذ اسمع صوتي أقدامه قادم فنظرت باتجاهه ثم جلس و الحزن بعينيه , و بدأ يحدثني فقال :
"يا أبتي هام قلبي بعشق فتاة , رأيتها فأعجبتني حدثتها فوقعت في شباك حبها , لم أكن أعرف ما أفعل فأنا ما عندي تجربة بالحب ولا عندك زورق , عشتها معها ما ظننته أجمل أيام حياتي"
قلت و بداخلي نوعٌ من الخوف على ولدي :" و مالمشكلة فالحب ليس مشكلة أبداً".
قال :" نعم أدري بأنه ليس بمشكلة و لكن ما يحدث بعد ذلك هو المشكلة , فهذه الفتاة يا أبي كان لها تجربة بالحب , تجربة انتهت بخيانة من الطرف الأخر , تجربة جعلتها امرأة لعوب تغازل كل الرجال و تتودد لهم , و لكن ذلك لم يمنعنِ عنها فظننت بأن أكبر إنجاز لي سيكون هو أن أجعلها تنسى كل الرجال و تهتم بي , فبدأت أراها تراسلني في دقيقة و تتغزل في غيري بالدقيقة الأخرى , و كان ذلك أشد ما ألمني و حرق قلبي كحرق نيرون لروما , و مع ذلك لم أهتم , بل كنت أقول لنفسي بأني الوحيد الذي تقول له تلك الكلمات من قلبها أو هذا ما ظننته , حتى رأيتها اليوم بالجامعة تمشي و بجانبها رجلٌ ما يمسكان أيدي بعضهما بعضا , هربت من الواقع و حاولت أن أجد لها أعذاراً و لكن حتى قلبي في تلك اللحظة لم يقف معها كعادتها بأن يقف مدافعاً عنها محامياً في كل جلسة أكون فيها قاضياً و يكون عقلي مدعياً عاماً , و بعد ذلك بقليل جائت و قالت بأنها اذا استمرت بعلاقتها ستظلمني لأنها لن تستطيع أن ترك عادتها , تخيل يا أبي أحببت بصدق فماذا كان جزائي , كان جزائي بأن تُفضل عليك كل الذين لا يرونها إلا جسداً , قل لي يا أبي لما حدثتني أنت و أمي عن أن زواجكما كان عن حب ولم تخبراني عن سبب طلاقكما ؟ , لما تعلمني بأن الحب جميل و لكن له وجه قبيحٌ أسود ؟"
و بينما كان يحدثني كان عقلي قد ذهب و استرجع ذكرى تركي لأمه تلك التي أحببته و أنا على دراية بأفعالها السابقة و التي لم أعتبرها شيئاً مهما و لكن كما يقول المثل الشعبي عندنا ( المية تروب) فإذا بي أكتشف بعد سنوات من الزواج بأنها مازلت تمتلك حساباً وهميا على شبكة تواصل اجتماعي و بأنها لم تقطع علاقتها بأحدٍ من أولئك الذين كانت تحدثهم بل و مازالت تضع صوراً لجسدها , علمت حينها بأن ابني هذا يسير على نفس طريقي و لم أعلم ما أقول له فنظرت طويلاً في عينيه و قلت و بداخل حزن و آسى :" يا ولدي لا تحزن فالحب عليك هو المكتوب , ولكن سمائك ممطرة و طريقك مسدودٌ مسدود .

الاثنين، 7 سبتمبر 2015

براد الشاهي 5 ( أخر براد)

جالس اتأمل الاجزاء السابقة من براد شاهي ، أتحسس بعيني كل كلمة و كل حرف فيها ، مستشعرا كل مافيها من احساس جميل و مستذكرا ما خالجني من مشاعر هزت وجداني اثناء كتابتي لها و قبل ذلك ، مرورا ببراد شاهي و كيف جعلتني تلك الانثى أفكر و ارى الاشياء بألوان بعد أن كان كل شيء بلونين فقط ، ثم مسترجعا ذاك الشعور عندما رأيت تلك الجميلة التي اخرجتني من الموت السريري الذي كنت فيه ، و تلك التي وقفت أغني لها وسط الطريق ، حتى وصلت لفيروز ، مكتشفا بأن أفكاري في أغلب الوقت كانت تميل لواحدة فقط ، واحدة من بين كل تلك اللواتي أعرفهن .
عجيبٌ هذا الحب بإحساسه و جماله ، يمكن أن يعطيك بصيص للأمل من حيث لا تدري ، و يمكن للأمل أن نور الحياة ، و لكن لأن الأشياء لا تكتمل إلا بمعكوساتها ، فإذا وجدت الحياة لا بد أن يُوجد الموت ، و كان هذا الموت حيث انتهى كل براد ، فعشت في أول جزء رؤية للمستقبل و كيف أضبحت تلك الانثى نصيباً لغيري نتيجة لخوفي ، و كسرت الخوف في الثاني و عشت دور ذاك الذي اعترف بكل شيء و لكن قلب محبوبته كان محجوزاً مسبقاً ، و في الثالث كنت مجرد شخص يغني لفتاة أحبها ، و ختمت ما كتبت بالعيش وسط أغاني فيروز متحسراً على كل شيء .
و في كل تلك الأجزاء جسدت واقعي لكلمات، جسدت ماضي و حاضري و حتى ما أتوقعه في مستقبلي في بضعة أسطر كان الشاي رفيقي أثناء كتابتها , و بعد أن حدث ما حدث في أرض الواقع و بعد أن جربت ما جربت ، و بعد ما عشته مع الشاهي ، اكتشفت أن الشاهي ليس لي و أني مهما أحببته فلن يبادلني الشعور ، فقررت أن أعتزل الشاهي و امتنع عن شربه فيكفيني ما ذقت منه ، قررت أن اترك الشاهي لناسه ، و لكن قبل ذلك أود أن أشكره على كل ما أعطاه لي .
وداعاً يا كل أنواع الشاهي ، وداعاً يا برادي.

الأحد، 30 أغسطس 2015

المجنون (عندما حصلت على ملابسي)

كالعادة مرة أخرى أجد نفسي جالساً وحدي , معتزلاً هذا العالم بكل ما فيه من بشر , ناظراً للسماء و لكن بصري يسبح في مكان أبعد من ذلك , أتجول في مساحات تمتد إلى مالا نهاية حيث ظننت بأن انعتاق روحي سيكون , حيث سأجد ذاتي التائهة الضائعة , هناك حيث سأجد رسالتي , الرسالة التي أؤمن بوجودها و عظمتها , فحياة بهذه الصعوبات لا تستحق الرسالة التي كنت أسير خلفها , فحياة المرء و صعوبتها تتناسب طردياً مع رسالته , كلما زادت الصعوبة زادت عظمة الرسالة التي يحملها , ولهذا قررت بأن رسالتي و مهمتي كبيرة في هذه الأرض , فقبل كل شيء أنا من أوجدني الله لأكون خليفته في أرضه .
غافلني النوم و انتهز فرصة انشغالي بتأملي فهاجمني و سقطت بين يديه مغشياً علي ثم أخذني من يدي في جولة بين ذكرياتي , قبل سنوات عندما كنت شاباً أتجول في الغابة جسداً طاهراً نقياً دون ملابس , عندما لم يكن لدي تشوهات و أخطاء أخفيها عن البشر , اتجول في سلام فلا يوجد شيء أخافه , روح طاهرة تتجول شاكرة الله على نعمة الحب , جلست عند جذع شجرة وسط أشعة الشمس  التي أنظر إليها بنظرات شكر على تدفئتي , استندت للجذع ناقلاً له بعضاً من الدفيء و بلمسة حنان , فانحنت الشجرة لتعطيني ظلاً يقيني حر الشمس , نظرت للأعلى فوجدت عصفوراً صغيرا يقف على أحد الأغصان و لم تتمكن عيناي من عدم مغازلته بالنظرات , بل و أرسلت عيناي رسائل عشق و هوى له , فأنطلق العصفور يغني لي أجمل الألحان , تبادلت الحب مع كل دابة كانت تسعى حتى أتت أمامي لتضحي بنفسها و تطعمني من لحمها إذا جعت , هكذا كنت أحببت كل شيء في الطبيعة و أحبني , حتى رأيتها ,ملكة الوادي , تلك من فاقت في جمالها كل شيء عرفته , ليس الاسم مهماً فالمهم انها كانت إنسانة من بني جنسي , و ما أظن أن هناك من بهذا الجمال , لها ابتسامة إذا ظهرت أسرت لجمالها كل ما في الغابة من كائنات , لم أعرف لمقاومتها سبيلاً , فلست من منع قلبه من حب شيء يوماً , كنت أراها كل يوم و لكن لم أقوى على ذلك يوماً , فهي ملكة بكل ما تعنيه الكلمة , لها جمال ملكة , وعظمة ملكة , و هيبة ملكة , و لكن ما أن وقعت في شباك حبها حتى ظهرت رقعة قماش على جسدي استغربت حينها , ولكن لم يمنعنِ ذلك من متابعة ما بدأت , استمرت جلستي تحت تلك الشجرة و أنا أراها هي في كل شيء في دفيء الشمس و ظل الشجر و أراها في لحنٍ خرج من طائر مغرد ,بدأت الأشياء تملني حتى قررت في ذات ليلة بأني سأصارح الملكة بكل شيء سأخبرها بكل ما بداخلي , و عندما حانت اللحظة جلست أمامها و أخرجت قلبي و مددته له و لكنها نظرت إلي باستهجان ثم مضت , و تركتني مليئاً باليأس و الإحباط أما عن قلبي فقد طار ولم أره , فما أصعب أن ترفض الآلهة قربان قدمته لها , في تلك اللحظة نتج عن هذه العلاقة مولود مشوه يدعى الكره و عندها كست الملابس كل جسدي و لم تترك منه شيء .
ذهبت صباح اليوم التالي لمكان جلوسي المعتاد و لكن ما أن رأت الكائنات ملابسي هجرتني , فالشمس غربت , و الشجرة طرحت كل أرواقها لتبحث عن مكان أخر تعيش فيه , كذلك فعل العصفور , هجرتني كل تلك الكائنات فضللت في وحدتي , و بدأ ذاك المولود يكبر شيئاً فشيئاً و في كل يوم ينشر في جسمي كرهاً لتلك الملكة , ولكن أنا مازلت متيماً بها , فكيف لا أفعل و هي أم ولدي , و لو عاد بي الزمن كنت سأقف أمامها مرة أخرى و أقول (أحبك) .
هكذا ولد ولدي و هكذا حصلت على ملابسي.

الخميس، 27 أغسطس 2015

عقاب ليبي

كالعادة ملل غريب يصيبك في فترة الصباح فلا جامعة ولا دراسة ولا عمل و قد مللت التجول الصباحي بالسيارة فقررت البقاء في المنزل , أو بالأحرى أًجبرت على البقاء فالفوكس رفيق الصباح مُقفل , وقد فُجئت بوجود ثلاثة عمال مصريين في البيت , و لأن المصائب لا تأتِ فرادة قررت شركة الكهرباء قطع التيار في هذا الوقت لطرح الأحمال , فوجدت نفسي جالساً مع العمال أثناء شربهم للشاي و مشاركتهم الحديث , و أثناء ذلك تذكرت لماذا أحب مصر , شعبٌ بسيط , متفائل , و دائم الابتسام على عكسنا نحن الذين نبحث عن الحزن و نجلس عنده , قرر اثنان منهم القيام ل"تشطيب" الأعمال  و جلست مع ثالثهم و اكتشفت أنه من صعيد مصر , من أسيوط و أخذ يحدثني عن أسيوط و بساطة شعبها حتى تمنيت أن أزورها, و عندها تذكرت قول ذاك الرجل الذي قال :" لو لم أكن مصرياً لو وددت أن أكون مصرياً" , نعم و حقاً و صدق في قوله , فلو لم أكن ليبياً لوددت أن أكون مصريا , و لكن ترى من أي مُدن مِصر أريد أن أكون , احترت قليلاً ثم وصلت لها , نعم فلا بد أن تكون هي , فلو لم تكن ولادتي و عيشي في بنغازي فلا بد أن يكون فيها , تلك التي دخل حبها قلبي و لكن بنغازي أخذت الجزء الأكبر منه ,و لكن لا بأس بوجود معشوقة أخرى و هي القاهرة , قاهرة المُعز .سمحت لعقلي بأن يذهب في جولة أخذ فيها معطيات بأني ولدت و عشت في القاهرة و قبل أن أبدأ جولتي في عالم الخيال وضعت بعض الموسيقى التصويرية و التي اخترت أن تكون رائعة الشيخ إمام و كلمات أحمد فؤاد نجم (مصر يا أمه يا بهية يا أم طرحة و جلابية) , ثم انطلقت , سأكون طالباً جامعياً في جامعة القاهرة , و لكن بكل تأكيد لن أختار الطب هناك بل سأدرس الأدب و تلك الكلية التي درس فيها (أنيس منصور) من اعتبره أستاذاً لي رغم أن لم ألتق به أبداً , و لكن كما يقول اللغز الشعبي في ليبيا "الميت يسلم على الحي " , فقد التقيت بأنيس منصور في كتبه , سأجلس عند النيل كما فعل أحمد شوقي أمير الشعراء , سأتجول في شوارع القاهرة التي تحمل عديد القصص سواء في مبانيها أو في ناسها و ابتساماتهم , في الزمالك و المعادي و مدينة نصر , و ربما عندما أحتاج لبعض وحدي سأجلس في المقطم أو أتجول في مناطقها القديمة ذات المباني المتآكلة و المُغبرة , لكن ذات النفوس الجديدة الرائعة القاطنة بها ,خان الخليلي و الحسين و السيدة زينب , سأصلي في الأزهر وبكل تأكيد لن أقترب من الباطنية , سأتجول شارع عباس العقاد و بداخلي حسرة لأني لم أكن في عصره و لم أجلس في صالونه , لم أعاصره و لم أقابله وجها لوجها , ربما كنت حينها رفيقاً لأنيس منصور و جليساً لصالونه , سأستمتع بكلامه عن طه حسين و حواراته مع توفيق الحكيم و غيره من الأدباء ولكن للأسف ربما لن أعاصر مصطفى محمود أو السعدني أستاذ الأدب الساخر , فحمداً لله أني جئت في عصر الإنترنت حيث يمكنني أن أعيش كل العصور في عصر , أن أسبح في بحر خيالي مع كلمات الحكيم بينما يدندن لي سيد درويش عن التحفجية  , أو سأمزج بين عصرين فأستمع لكايروكي بينما أقرأ لمصطفى محمود . قطع جولتي هناك صوت هاتفي يرن يعلمني بأن صديقي يتصل و الذي أبلغني بدوره أنه في الطريق إلي , أنهيت جولتي في مصر و كلمات أغنية الشيخ إمام ( أهيم شوقاً) عالقة في بالي فقررت أن أشغلها في سيارة صاحبي ذاك , و هذا ما فعلته فور ركوبي و لكنه انزعج من ذلك لا لشيء إلا لأنها مصرية أو "عقاب مصرية " كما قال , ضحكت في داخلي و قلت مصر تلك التي أخرجت للعالم أجيالا من العباقرة في كل شيء نحن ننظر لهم على أنهم "عقاب" , نحن الذين أخرجنا للعالم عباقرة أيضاً ولكن في كل شيء قذر , و لكن رغم ذلك لم ألم صديقي فأنا المخطئ فأغنية الشيخ إمام تلك لا يستحق أن تسمعها أذن "عقاب" ليبي .

الأربعاء، 26 أغسطس 2015

بالعربي

الناظر للوضع العربي سيرى و بلا شك أزمات مختلفة على جميع الأصعدة , سيرى فارقاً زمنياً كبيراً بين هذه الدولة القابعة في الرقعة الجغرافية من المحيط للخليج و بين باقي دول العالم , فهم في عصر و نحن في عصر متأخر عنهم بكثير ,و ليس الوقت الأن وقت مقارنة بيننا و بينهم , فالمقارنة لا تجدي شيئاً و لكن بات لزاماً علينا أن ننظر لأسباب المشكلة و نحاول حلها , علماً بأن حلها سيأخذ أجيالاً و أجيال فالمشكلة مترسبة في عقولنا , ضاربة جذورها في فكرنا , و ربما سنبدأ من هذه الكلمة سرد المشاكل , الفكر لو قلت هذا الكلام لأي شخص يتبع تياراً معيناً سيرمي بالسبب على التيار المضاد له , و سيقولها في كل مكان على منابر المساجد أو على منصات المحاضرات , و حتى على القنوات , و الناس تتابع و تسمع بل و تترك هذا الكلام يدخل عقولها دون أي محاولة منها لفهمه أو مناقشته , و يصبح هذا الكلام كلامٌ منزل من عند الله لا يجوز نقاشه , و هذه المشكلة ليست متعلقة بفكر سياسي فقط , و لكن متعلقة بجميع نواحي الحياة , فالشيخ فلان قال و الدكتور علان قال, و من أنت حتى تناقش كلامه أو تعارضه الرأي , أصبحت الغالبية العظمى في بلادنا و للأسف مجرد خيل غطى سائسها عيونها حتى لا ترى شيئا إلا ما يريد السائس أن تراه , أما القلة الفاتحة لعيونها المحاولة للنظر في كل الاتجاهات و بتفكر , باتت قلة مجنونة مجرمة , تعامل كالسفهاء من جميع الأطراف فهذا يسبها و هذا يسخر منها , أصبح الناس في مجتمعنا العربي مجرد نُسخ متشابهة في كل شيء في التفكير في الكلام , و بإمكانك تقسيمهم و فرزهم حسب القنوات التي يشاهدونها , و ربما تكون هذه الأخير هي مصيبة المصائب و سبب كل مشكلة عندنا , فقد ساعد الإعلام بصفة كبيرة على تنويم العقول و تحجيرها , و جعل الناس تضع عقولها على الرف و لا تحاول إجهادها , فلما أفكر في أمور الدين إذا كان الشيخ فلان سيكون على القناة كذا , ولما أفكر في أمور السياسة إذا كان المحلل السياسي فلان سيكون على القناة الأخرى , بل و حتى لما أفكر في طريقة نجاحي و الدكتور فلان أستاذ التنمية البشرية سيكون على تلك القناة , أصبح المواطنون في بلادنا عبيد ينتظرون الأوامر من ذلك الشخص الناطق على شاشة التلفزيون ليقرروا ماذا سيفعلون , حتى أنه سيصعب عليك إقناع مريض على كرسي متحرك في عيادة بأنه مشلول , ولكن أعطين قناة و متحدثاً جيداً و سأقنع أي شخص بأنه مشلول حتى إن كان سليماً معافى .إن أغلب مشاكلنا العربية تدور حول وجود أو غياب العقل , فمثلاً من بين هؤلاء الملايين من العرب كم مئة عقل عربياً سنُخرج , و ركز على (عربياً) , فالآن في هذا العصر و هذه الفترة بدأت مشكلة أخرى في الظهور , مشكلة إن استمرينا في هذا الطريق ستكون أكبر مشكلة موجود بل و ستكون أكبر نكسة في التاريخ العربي المعاصر , و ستؤدي مستقبلا إلى ضياع كل ما هو عربي , ففي هذه الأونة بدأنا نلحظ اختفاء الهوية العربية شيئاً فشيئا , هذه المشكلة بدأت في جيل التسعينات و استمرت و كبرت في جيل مطلع الألفية الثالثة , فأولاً بات العالم العربي بالنسبة لعددٍ كبير من الجيلين مجرد محطة توقف مؤقت قبل الخروج إلى أرض الأحلام أوربا , و كم من شخص صُبغ بلون أوربا , فتجد الاسم عربيا و لكن اللبس و المشية و اللسان أوربي , و ليس هذا الجيل هو الملام وحده بل حتى الجيل السابق مُلامٌ أيضا , فمثلا عندما يُولد طفل لأبوين يحثانه على دراسة اللغة الإنجليزية و ينسيان لغته الأم , العربية , فيصبحان يكافئانه على نجاحه في هذه ولا يهتمان بتلك , فيكبر عالماً بكل قواعد اللغة الإنجليزية , ولكن لا يعرف الفرق بين أخوات كان و أخوات إن (كلهن بنات ناس), عموماً لا ننسى بأنه سيميل للأغاني الغربية بصفة عامة و سينظر بنظرة تعالي على الأغاني العربية و سيعتبرها علامة على الذوق الهابط , ثم يبدأ في قراءة الأدب الغربي باللغة الإنجليزية تاركاً ورائه أدباً عظيماً بالعربي , عندما ينشأ لدينا جيل كهذا , جيل لم يسمع يوماً أم كلثوم أو العندليب أو الشيخ إمام أو فيروز , جيل لم يقرأ للعقاد و أنيس منصور و مصطفى محمود و أبو القاسم الشابي , جيل لم يتغنى بالعربي ولم يقرأ بالعربي , جيل لم يشعر بالعروبة في قصائد محمود درويش , كيف سنطالب من هذا الجيل الإهتمام بمشاكل العروبة ؟