الاثنين، 6 يونيو 2016

العودة إلى المستقبل (الإنترنت)


العودة إلى المستقبل أو Back to the future , فيلم من سنة 1985 من إخراج روبرت زيميكس ,يتحدث عن شابٍ يسافر بالزمن عن طريق ألة سفر إخترعها صديقه البروفيسور . إذا كنت من متابعي الأفلام فربما ستعرفه و إن لم تكن فعلى الأغلب ستتجه إلى العم جوجل و تقوم بالبحث عن الفيلم , قبل أن تفعل ذلك , هل تذكر كيف تطور الأمر بك لتصبح اليوم قادراً على إستعمال الإنترنت في البحث عن المعلومات ؟!
قبل عشر سنواتٍ تقريباً , اتجهت في ذات يوم إلى الكفي نت القريب منكم , دخلت و قلت بأنك تريد ساعة انترنت , فتح الرجل العامل بالمكان أحد الأجهزة و ذهبت إلى الجهاز المطلوب , جلست و قمت بفتح الإنترنت اكسبلولر المتصفح الوحيد الذي كنت تعرفه و الذي تعامله اليوم بإحتقار بعد أن كان له الفضل الكبير في أن علمك كيف تستعمل الشبكة العنكبوتية , ناديت صاحب المكان و قلت له بأنك تريد أن تفتح موقعاً على النت , عرف هو أنك تريد إنشاء بريد إلكتروني , ففتح لك واحدٍ على الياهو , في تلك اللحظة صار ذاك الرجل أذكى رجلٌ في العالم من وجهة نظرك , صار هو خبير الإنترنت عندك , بعد أن خرجت توجهت إلى صديقك و أخبرته عن فتحك للموقع , أعجبت الفكرة صديقك و اتفقتما على الذهاب معاً في اليوم التالي , جاء اليوم التالي دخلتما معا أخذتما جهازين و أنشيء صديقك بريداً , اكتشفتما في ذاك اليوم (الياهو ماسنجر) , بعد ذلك بأسبوع صار لكل أصدقائك بريد و صرتم تذهبون جميعا إلى الكفي نت لتتحدثوا معاً عن طريق الياهو ماسنجر , تزعجون بعضكم بخاصية  البز فيه و ترحلون , فتحتم إشتراكاً هناك و صرتم من الرواد الدائمين له ,تعرفت على مواقع أخرى كمكتوب و الMSN,  صرتم تعرفون الجوجل و أنه بإمكانك عن أي شيء فيه , بحثتم في الجوجل عن ألعاب فظهر لكم موقع ألعاب شمس , تعرفتم على موقع منتديات الخليج , فصرتم تدخلون بأسماءٍ وهمية , تعرفت على فتاة من السعودية على الأغلب كان اسمها عنود الرياض أو عيون الريم , أقنعتها بأن عمرك هو 21 سنة و تحدثتم معا طويلاً حتى تركت هي المنتدى فصار اسمك الأمير المجروح .
في مرحلة ما عرفت أن  الجوجل يجد لك حتى الصور  ,بدأت الإختلافات الفكرية بينك و بين أصدقائك بدأ كلٌ منكم في تغير صورة الياهو ماسنجر كل يوم , أنت كنت مهتماً بصور السيارات , صديقك الأخر كان مهتماً بكرة القدم و صور كاكا , أحدكم كان يضع صور مايكل سكوفيلد و بريزون بريك ,لكنكم اتفقتم في بعض الأشياء كبحثكم عن صور العجائب و الغرائب و صور الجن و الفتاة الذي سخطها الله إلى شيء يشبه القرد بعد رمت المصحف و سبت أمها , اتفقتم في البحث عن صور سنوات الضياع و صورة لميس بالزي الليبي التي صدقتم أنها حقيقية لجهلكم بالفوتوشوب , اشتركتم في بحثكم عن صور هيفاء و هبي و ..... احم احم .
بعد حصولك على هاتفك المحمول الجديد ربطته فوراً بالإنترنت , إنترنت ليبيانا و المدار وبدأت بالتعمق حينها , أكثر المواقع التي كنت تزورها كان واب تريك حيث كنت تجد الدردشة و الألعاب بالإضافة إلى الصور و أشياء أخرى , حتى استيقظت ذات صباح قبل سبع سنواتٍ تقريباً لتكتشف وجود مودم انترنت في بيتكم , بدأت علاقتك مع الإنترنت حينها بالتطور شيئاً فشيء , ربما دخلت و استكشفت الHI 5 قبل أن ينقرض و يحل محله الفيسبوك , أو قد تكون قد تعمقت في النمبز و صرت تكتب س ع و ش ج , تعملت كيف تقوم بتحميل الأشياء منه , سمعت من أحدهم عن الفيسبوك فصرت من أتباعه و مدمنيه حتى صارت كل حياتك قائمة عليه , عانيت من إنقطاعه فترة الثورة , ثم عدت له بقوة بعد أن هو و اقتحمت التويتر .
هكذا أو بشكلٍ مختلف قليلا بدأت و تطورت علاقتك بالإنترنت , بهذه الطريقة التي لن يعرفها أبناء جيل ال2000.

الأحد، 29 مايو 2016

مرشد سياحي 8 (الدلاعة)


اشتهيت في هذا اليوم بينما كنت عائداً إلى المنزل أكل الدلاع, أو ما يسمى بلسان العرب بالبطيخ , مررت على السوق الخارق أو السوبر ماركت , اتجهت رأسا إلى قسم الخضروات و الفواكه , أمسكت بواحدة , وضعتها بجانب أذني و بدأت في "الطبطبة" عليها , سمعت صوتاً ينادي قائلا :"أهمد"
نظرت إلى الدلاعة متفحصاً إياها باحثاً عن مصدر الصوت لكنه لم يكن منها , نظرت خلفي فوجدت تلك التركية الشقراء التي سألتني عن بنغازي يوماً , وقفت أمامي و قالت
:Why you are
#$@!@ ^&#%##@*(&&% *^$@! $%@# ?
حاول دماغي بسرعة ترجمة ما قالته فكانت النتيجة:" لماذا تصفع الماء مالون كأنك تصفع مؤخرة طفلٍ صغير ؟  ...." الماء مالون !! ,
ماذا بحق الجحيم تكون هذه الكلمة , تطلب الأمر مني نصف دقيقة لأستنتج  أنها تتحدث عن البطيخة التي على كتفي , فأجبتها بأني أفعل ذلك حتى أعرف إذا ما كانت جيدة أم لا , سألت بفضولٍ يشابه فضول أهل درنة الشهير "و كيف تعرف ذلك ؟" .
صاح صوتٌ بداخلي قائلا اللعنة !! أنا حقاً لا أعلم , أنا فقط أقوم بها كجزء من العادات , هل أكذب عليها ؟, انتبهت إلى أن صمتي قد طال قليلاً , نظرت نحوها بسرعة و قلت لها
:" ضعي أذنك عليها "
صفعت الدلاعة و قلت :" هل سمعتي هذا الصوت ؟" .
هزت رأسها قائلةً نعم , فأكملت قائلاً : هذا يعني بأنها جيدة ؟" . و لسببٍ مجهول أذهلها هذا , فسألتني بلهفة :" أين تعلمت هذا ؟" .
قلت لها بأنه جزءٌ من عاداتنا . قالت لي :" هلا حدثتني قليلاً عن عاداتكم ؟".
ضحكت قليلاً و قلت لها :" الأمر معقد و هي كثيرة لا أعلم سرها كلها , مثلا لدينا عادة بأن نضم يدنا إلى صدرنا بعد مصافحة أحدهم , و لا أعلم سر هذا الشيء المتعب أحياناً , فمثلا في بعض المناسبات يكون الرجال صفاً يجب عليك أن تمري عليه و تسلمي عليهم فرداً فردا و تخيلي أن تسلمي على عشر رجالٍ مثلاً و تضمين يدك إلى صدرك بعد كل مصافحة , أحيانا أشعر بأني شيعيٌ في يوم عاشوراء أثناء قيامي بذلك , و على ذكر المناسبات , لدينا معتقدٌ غريب عند كبار السن بأن كل شابٍ يتمنى الزواج , و عندما تقابلين أحدهم أثناء عُرسٍ ما , لن تسمعي شيئاً منهم سوى "عقبالك" و هو دعاء بأن يكون زواجك قريباً , و أحياناً تلحق بجملة "نفرحوا بيك" , كان هناك عجوزٌ طاعنة في السن تقول ذات الجملة عندما تقابلني :" عقبالك تفرح بوك و أمك ان شاء الله " , ذات مرة التقيت بها في عزاءٍ فتمنيت لو أستطيع أن أقول لها :" عقبالك تفرحي زوجات أبنائك ان شاء الله ". و في تقاليدنا أيضاً , أن إندلاق القهوة يعني وجود مبلغٍ مالي في الطريق لصاحب القهوة و أن الحذاء المقلوب يعني قرب سفر صاحبه , و هناك أيضاً بضع أمثلة تقال دوماً رغم أني لا أفهمها فمثلاً هناك (شارعين و دردوحة) و يتم إستعمال هذه الجملة لوصف مدينةٍ أو دولةٍ صغيرة الحجم , و منذ أن أبصرت هذه الدنيا و الناس تستعمل هذه الجملة لوصف مكانين في العادة , درنة و مالطا , و الدرودحة في قاموس مختار المذراح تعني الطربق المنحدر من أسفل إلى أعلى و يقال للجزء العلوي منها , علوة , و قد ذكر ابن بطبوطة في كتابه أن أشهر العلوات في بنغازي علوة سيدي حسين التي و تقول الغيطة الشهيرة:" سيدي حسين امية حلوة , تدردح من فوق العلوة " و سيدي حسين هي منطقة شعبية سميت نسبة لوالٍ صالح قطن بنغازي قبل قرون , أما الغيطة فهي لونٌ من ألوان الفن الشعبي المنتشرة في بنغازي في المناسبات و الأفراح , و على ذكر الفن الشعبي في الأفراح فهناك أيضاً شيء يدعى الكشك .." قاطعتني بوقاحة الفرنجة و قالت
: what’s kshk ?
أردت أن أقول لها و هل فهمتي معنى الغيطة حتى تسألي عن الكشك لكني لم أفعل فقلت لها في محاولة لترجمة الكلمة :" كشكي-جنق " متبعاً قاعدة إضافة الإي إن جي لأي فعل بالإنجليزي , و أكملت شرحي لها عن الكشك فقلت :" يجتمع مجموعة من الرجال يلقي عليهم أحدهم أهزوجة فيبدؤون بترديدها مصحوبة بتصفيقٍ يشكل إيقاعاً موسيقياً , يتخلل هذا عرض فني من فنانة استعراضية نطلق عليها لقب هجالة , و ينتشر هذا الفن في الجزء الشرقي من البلاد و عند أهل البادية و نحن نتطير من عدة أشياء و نعتقد بأنها نذير شؤوم و تجلب سوء الحظ , في المعتقد الشعبي أن صوت المقص يجلب الأشياء السيئة لذلك نهانا أهلنا عن اللعب بالمقص , كذلك يعتبر صوت طرق معالق الأكل ببعضها البعض .. ".
-"مهلا , أنتم تستعملون ملاعق الأكل ؟, ألا تأكلون بأيديكم كما في الأفلام ؟"
اللعنة على هوليوود التي أفسدت كل شيء ,قلت لها :" كلا , هؤلاء السعودييون و لسنا مثلهم , نعرف الملاعق ولا نعيش في الصحراء و لا نمتطي الجمال كما في الأفلام كوسيلة مواصلات "
مرت بقربنا حينها عائلة ليبية مكونة من أبٍ و أمٍ و ابنتهما , و ما أن رآني الأب حتى عرف بحدسه الليبي بأن من يقف أمامه أيضاً ليبي فما كان منه إلا أن أعطاني نظرة تقول لي :" لو راجل بحت في بنتي", لم أهتم بهم بل عاودت الحديث مع الفتاة و قلت لها : من عاداتنا أيضاً أن نكون (نقصيين) و أن نتخذ وضعية دفاعية عند وجود أي ليبيٍ في الجوار و خصوصاً إذا كان شاباً و كانت بصحبتنا فتاة أو امرأة و الأن فلنخرج بسرعة حتى لا أصادف هذه العائلة مرة أخرى في ممرٍ أخر فيظن الوالد بأني ألحقهم لا سامح الله".

الخميس، 26 مايو 2016

براد شاهي 9


رأيت خيالك مارقاً في طاسة شاهي ما بعد الظهر , توقفت كل حواسي و أحسست بشللٍ في إدراكي , للمرة الأولى أجلس فقط أراقب الشاهي , أردت أن أخبرك بضعة أشياء لكني إرتبكت , لم أعرف بما أبدأ
, هل أقول بأن عيناكِ أجمل ما رأيت ؟
 هل أقول  بأني في كل مرة أكون فيها حزيناً أكتفي بالنظر فقط لهما فتنزاح كل الهموم ؟
 هل أقول بأن لكِ إبتسامة تجعلني حين أراها كدرويشٍ يؤدي رقصته فيبحر في عالمٍ غير عالمنا ؟
 هل أقول بأني لم أرى شيئاً كهذا قبلاً ؟ لا أدري ما هو إن كان حباً فسأقول أحبك بكل لغات الأرض أ
قولها ti amo بلسان أهل روما ,
 Je t'aime بلسان فرنسيٍ يحتسي القهوة في الشانزيليزيه ,
 من شما را دوست دارم بلسان عاشقٍ أتى من بلاد فارس يبيع سجاداً فارسياً وقف بجانبه رجلٌ تركيٌ يقول لزوجته seni seviyorum عند مضيق البسفور
و لو كان الأمر بيدي لطلبت من هؤلاء أن يقطفوا لي ورداً أضعه مع بعضه فتكون باقة بكل لغات أهل الأرض أضعها أمام باب البيت و أرحل و لكن ليس ذلك بالإمكان ,  و لو كان هذا الشيء وهماً فما أحلاه من وهم  .
هل تراني أقول بأني كنت أخشى الإعتراف بذلك ؟! ,
 كنت أهرب من قول ذلك , فكل الأصوات التي سمعتها في رأسي قبلاً و حديث الضمير الدائم لي حول ما يجب أن يقال , كلها علامات كنت أعرف أنها تشير إلى شيءٍ واحد , علاماتٌ قد رأيتها قبلاً و عرفت معناها ففضلت الهرب منها , لأنني و كما قلت قبلاً قد رأيت بأن الحب و كل المشاعر ضعف.
 و الأن قد بدأت اقتنع بالعكس , قد صرت أرى بأن الهروب هو الضعف و أنه لا خيار أفضل من المواجهة , حتى لو كان الأمر يحمل مرورة كالتي في كوب الحنظل , سأشرب الكوب , سأفعلها كعابدٍ ناسكٍ في زمن الإغريق الأوائل إرتكب إثماً فكان عقابه بأن يخدم الألهة طول عمره , و أن يصير من الخالدين حتى يكون عقابه أبدياً , سيؤدي عقابه و بداخله شيءٌ من الفرح أثناء ذلك , فرحٌ لا ينفي كونه عقاباً لكنه يضيف قليلاً من المتعة إليه .

ورقة نعناعٍ طفت في الطاسة فحركت صورتك و أزاحتها لترحل صورتك و ترحل معها أفكاري.

الجمعة، 6 مايو 2016

مرسال لحبيبتي (2)


 بضعة صحون نسيت إخراجها للمطبخ ملابس متسخة و أخرى نظيفة , وردة ذابلة على الأرض هذه معالم غرفتي التي أجلس فيها , لم أستطع منع نفسي كالعادة من التفكير فيها , مايزال لساني يريد البوح لها بتلك الكلمة و لم أعرف هل يجب علي قولها؟! و إذا كان هذا واجبا فكيف عساني أقولها؟! ولأني لا أستطيع التعبير عن نفسي إلا بالكتابة , وجدتني أكتب لها رسالة أخرى
عزيزتي بنغازي و من غيرك عزيزتي .
اعذرينِ عن قساوة رسالتي الأخيرة و لكن لم يكن بيدي حيلة, مشاعري و أحساسي قد كانت مبعثرة كالأشياء الموجودة في الغرفة الأن , أشتاق لك كثيراً و يا ليتك تعلمين هذا , أشتاق لك كإشتياق شارب الخمر الذي قد شعبن و إمتنع عن الشرب , كإشتياق مدخنٍ لسبسي الفطور في رمضان , أشتاق لك كإشتياق المرسكاوي للصافي و كإشتياق مواطن فيك لراتبه ,لكنني كنت أنكر فالشوق عندي ضعف , و لم أرد أن أضعف , حاولت نسيانك لكني لم أستطع , كيف لي أن أنساك و فيك كل ذكرياتي حلوها و مرها , كيف أنساك و فيك أهلٌ و صحبٌ أشتاق لأيامهم , كيف لمن جلس و شاهد زرقة بحرك عند الشابي لحظة غروب تلونت فيها سمائك بالأحمر , كيف لمن شاهد هذه اللوحة بأن ينساك ؟!, كيف لمن اشتم رائحة سبخك الممتزجة بعطر وردك البلدي زهري اللون أن ينساك ؟! , كيف لمن سار بين أحياء التي مر عليها الترك و الطليان و الإنجليز و رحلوا أن ينساك , كل المدن تمر علي مثل مرروهم و ترحل مثل رحيلهم و وحدك أنت الباقية دائما و أبداً في ذاكرتي , تبقين بسكونك و صخبك , بأفراحك و أحزانك , بشيبك و شبابك , أقول مرة أخرى بأنك لوحة جمعت كل التناقضات فكان هذا سر جمالها , سرٌ لن يفهمه أحد إلا من عاش فيك , و جمالٌ ألهم أبنائك فخرج منهم مبدعين في كل المجالات , منهم رسامين كالزواوي , اعبيدة , فتحي العريبي و عبد القادر بدر  خلفهم الوكواك ينحت تماثيله , في غرفة جانبهم جلس كتابٌ و أدباءٌ ألهمتيهم فخرجت منهم كلمات داعبت الأوراق كلهم يحكون عنكِ , فرفيقٌ يكتب أشعاره عنك , و يحكي الفاخري قصصك و كذلك يفعل الأصفر , بينما يجلس النيهوم على أعلى منارتك يتأمل فلسفتك , و على جدرانك يا حلوتي أشعارٌ و قصائد غناها الصافي و بونقطة و من قبلهم كان الشعالية و محمد صدقي, و فيها سيمفونية عزفها فكرون على قيثارته , ثم أذعاتها بناتك الحميدتان العنيزي و بن عامر و خديجة الجهمي , بين أزقتك الضيقة حكايات لأطفال لعبوا الكرة هناك يوماً كالعس و ونيس , كمونة و معتز , و حتى اليوم ما يزال هذا السر ملهماً لأبنائك , و ستظلين تخرجين المبدعين يوماً بعد يوم , أرى فيك مالكاً* يحمل لواء الرسامين يسير معه بن غزي* بقلمٍ و مفكرة يكتب فيها كلاماً يلقيه بعدها من شباكه على بحر جليانة الذي يحتضن سالماً* و هو يسبح , يراقبهم من أعلى من توفيقٌ و سامي و سلوى و غيرهم مِن من رواك بدمه .
ستظلين دوماً ملهمتهم و سيظلون دوما أبنائك , و سأظل أنا أحمل الشوق بداخلي على أمل أن ألقاك قريباً .

*مالك الحداد: رسام شاب من بنغازي
*أنس بن غزي: صاحب مدونة شباك
*سالم بدر : بطل ليبيا في السباحة

الاثنين، 2 مايو 2016

بعد مائة عام


اننا في العام 2116..
مائة عام مرت على كتابة هذه الكلمات و انا مازلت اكتبها..
مائة عام قد مرت على موعد نومي و مازلت لم أنم بعد...
مزال كل شيء على حالته قبل مائة عام...
رجلٌ وقف أمام المصرف قبل قرن و لم يجد سيولةً بعد...
مزالت لليبيا ثلاث حكومات....
و مازال مركز رأس أعبيدة يحترق عندما يحدث حدثٌ في بنغازي...
مزالت المنارة تضيء....
 و ماتزال أصوات الدف و البنادير تُسمع من زاوية الرفاعية رفقة أصوات القذائف الراقصة جنبها..
ماتزال أغاني المرسكاوي فقيرة بعد إعتزال الصافي...
و مزال تشافيز يتحدث عن مبارة إنتهت ب3-1.....
و مازال العالم يتسائل عن هذا الشعب الرائع....
إننا في العام 2116....
مايزال أستاذ التاريخ يكذب و يزيف التاريخ....
و مايزال الطلبة يصدقونه و يعتقدون بأنه قد كان للعرب حضارة يوماً...
ما يزال ذلك الفتى الحالم يقول بأن أمة العرب ستعود من جديد ....
بجانبه فلسطيني يوافقه الكلام و يقول بأن العرب سيحررون بيت المقدس مرة أخرى ....
كلاهما غافلٌ فلم يكن للعرب يوماً أمة حتى تعود من جديد ....
و لم يستطيع العرب يوماً تحرير بيت المقدس... ليس لوحدهم على الأقل....
و مازال الغرب يحيكون لنا المؤامرات و يضعون لفظ الجلالة على الجوارب حتى ندوس عليها...
و ندوس زر الإعجاب فإن لم نفعل فالشيطان قد منعنا....
مازال الشيخ الفلاني يناقش أضرار القيادة على صحة المرأة....
و مازال العالم العلاني يؤمن بنظرية داروين التي لم يجدوا حلقتها المفقودة بعد....
ماتزال خلايا جسمي كما هي , لم تتطور و لم تتغير مع تغير الظروف ...
مرت مائة عام
ما يزال الكلب في الخارج ينبح و بجانبه قطة تموي....
وقد بدأت في قراءة مائة من عامٍ من العزلة
و لم تنتهِ الرواية بعد ولم تنهِ المئة عام
و مازلت أنا أكتب....
لمن أكتب ؟!...
هم لا يقرؤون , أو تراهم يقرؤون و ينكرون أو ينسون ...
مازلت أجلس عند البحر أحيانا...
و مازالت طيور النورس تحلق في السماء جاعلة منها وطناً لها
و مازلت أشرب القهوة...
أكره من أكره و أحب من أحب...
بعد مائة عام مازلت نا هو نا ....


السبت، 23 أبريل 2016

في بنغازي


سألتني تلك الشقراء حفيدة كمال أتاتورك و نحن نجلس في قاعة المحاضرات ننتظر قدوم الدكتورة , قالت لي حدثني عن بنغازي .

" قد مرت أشهر على رؤيتي لبنغازي أخر مرة , و قد شوهتها الحرب في أخر مرة رأيتها , فسأحدثك عن ما رأيته قبل الحرب , في الصباح بنغازي جملية تعانق الحياة و ترقص معها وسط زحام وسط البلاد , و في الليل ترقد بسلام جانب السهارى , في بنغازي رجلٌ كبيرٌ في السن خرج يبحث عن رزقه خلف مقود سيارته , يركب معه شابٌ يقصد الجامعة طلباً للعلم و لشهادة يعمل بها , يتبادلان في الطريق أطراف الحديث و عند الوصول يحلف الشايب للشاب بأن يبقي ثمن الكورسا في جيبه إن لم يكن معه غيره و يحلف الشاب للشايب بأن يأخذ الدينار و النصف فمعه غيرها رغم أنه لا يمتلك إلا ثلاثة دنانير و نصف غيرها , سيشتري لاحقا بدينارٍ قرطاس الأمريكانا و بنصفٍ كوب مكياطة  , و يعود إلى بيته و يشتري بعض الخبز بما تبقى , و الشايب بحاجة الدينار و النصف فمن الصباح لم يجد كورسةً أخرى , لكن في نفوس أهل بنغازي بعض العصرنة , فحتى المحتاج لا يبوح بحاجته , في بنغازي شيبٌ إعتادوا منذ سنواتٍ الجلوس بقهوة لبدة أو بالمقهى الرياضي , يقضون ساعات الصبح بين مقاعدهما , كل الوجوه هناك تعرف بعضها , و من الوجوه فقط تقرأ قصصاً لتاريخٍ قد مر و ولى , في بنغازي شبابٌ وقفوا ليتناولوا فطوراً , و عند الفطور في بنغازي تجد أمامك خياراتٍ ترضى كل الأذوق , فعبد الغفار بتنه و (دحيه) , و حميد بفوله و حرايمه و مشكله , و ال بولفية بمفرومهم , و ملك الفاصوليا إحميدة بفاصوليته الشهيرة , ختم دخولك لبنغازي لا تأخذينه من مطارها بل من أحد هذه المطاعم , و كما يقول المصريون بأن من يشرب من النيل سيعود إليه من جديد , فمن يأكل من هذه المطاعم حتماً سيعود طلباً للمزيد فلن يجد مثل هذا المذاق أبداً , في بنغازي وقت الصباح طلبة جلسوا في مدارسهم ينتظرون إنتهاء دوامهم و أخرون منحوا لنفسهم يوم إجازة يقال لهم معكسين , ينتظرهم عقابٌ شديد صباح اليوم التالي إذا ما إنتبه لهم أحد المدرسين , لكن هكذا أهل بنغازي يحبون خوض المخاطر مدام في الأمر بعض المتعة , في بنغازي وقت الظهيرة يصطف أولياء الأمور أمام المدارس ينتظرون خروج أبنائهم , يقف بعض الشبان أمام إحدى مدارس البنات يسترقون النظر ,بعضهم ينتظر فرصة  ليرمي ورقة بها رقمه و يعود إلى مكانه لينتظر ردة الفعل كصيادٍ القى صنارته و جلس منتظرا خروج سمكة و بعضهم جاء فقط ليراقب أو (يكحل) بمسمانا الشعبي , و أي كان من أطلق هذا المسمى على هذا الفعل فهو رجلٌ بليغ , شبه مراقبة الشاب لفتاة بمن يكحل عينه و يزينها , و في بنات بنغازي توزع جمال الحسناوات الثلاث , في بنغازي وقت الظهيرة لا تشم شيئاً سوى رائحة الطعام الخارجة من كل المطابخ , كل رائحة تحكي لك قصة صاحبة البيت و روعة طبخها , في ما بعد الظهيرة تنام بنغازي بعد أن تناولت وجبة الغداء و شربت بعدها طاسة من الشاهي في عادة بدأت تختفي في بعض المنازل , فبنغازي تدمن شرب الشاهي , تشربه في إفطار عزائزها صباحاً , و بعد غدائها و عشائها , تُقيل بنغازي حتى أذان العصر , تسكن المدينة فلا تسمع فيها شيئاً سوى أصوات بضعة أطفال خرجوا يلعبون الكرة أحيانا و البطش أحياناً , و أحياناً يخرجون في جولة بسيارة يقودها طفلٌ نجح في خطف مفتاح السيارة من جيب والده أثناء نومه , و في أحد الشوارع الخلفية مجموعة مراهقين حصلوا على سبسي واحد فبات يدور بينهم و كانت حينها (تديخنة جو) , بعضهم سيكبر قليلاً و يترك هذا الجو و أخرون سيدمنونه ,  تستيقظ بنغازي شيئاً فشيئا بعد أذان العصر فتبدا جراجات المحلات بالإرتفاع و تعود الحياة بالتدريج إلى المدينة , و تمتلئ الطرق بسيارات الخارجين كلٌ إلى وجهته , شابٌ يحاول اللاحق بتقويته , أخر يسرع ليفتح محله و يسترزق , خلفهما شابٌ ثالث خرج يقصد مقهى يجلس فيه حتى يحل المساء ينظر الأن في سيارة بجانبه بها عائلاتٌ خرجت ربما لزيارة بعض الأقارب و ربما للتسوق و قد تكون خرجت فقط لأنها تريد الخروج , في بنغازي مهما كانت درجة الحرارة فستجد من يجلس على المقاهي بكل أنواعها  , و عندما يحل الليل يكون لبنغازي لونٌ أخر , في بنغازي شوارعٌ تتسع للشباب بإختلاف أنواعهم فهناك البيبسي و دبي و هناك العقيب و أزقة البلاد , و هناك من لا يحب الشارع فيظل في قهوته التي جلس فيها منذ العصر , تتناول بنغازي العشاء من أحد مطاعهما , أحيانا تقرر الجلوس في المطعم و أحيانا تأخذ أكلها و تقصد بيت أحد الأصدقاء أو تخرج للجلوس به على الكورنيش أو عند الكابترانية , هناك تجدين شيخاً يجلس يتأمل سكون البحر و يسبح ربه , و شاعراً يكتب قصائد عن محبوبته و يلقيها على البحر ليأخذ رأيه فيها , و سكرانٌ قادته سكرته إلى هناك فجلس يستمع للصافي عند البحر , و خلف كل هؤلاء متصوفٌ جلس بزاوية الرفاعية يررد بعض المدائح و يعيش في عالمٍ أخر , كل منهم يجلس لوحده , لكنه ليس حقاً لوحده , فبحر بنغازي ينصت لهم , ينصت لتسبيحات الشيخ و كلمات الشاعر , و ترقص أمواجه مع كلمات الصافي و مدائح المتوصف , كذلك يفعل إخريبيش و المنارة , و كل بنغازي , فبنغازي لوحة جمعت كل نقيضٍ في العالم فكان هذا التناقض سر جمالها , لهذا غنى الصافي و قال : تغربت و شفت بلادات إلا هيهات لبنغازي ما لقيت خوات .
هذه هي بنغازي يا بنت تركيا فحدثيني عن مدينة عندكم بهذا الوصف إن كان عندكم مثيلٌ لهذا .

الأربعاء، 13 أبريل 2016

أنا و نزار


هل سكرت البارحة ؟!!
لا , ليس البارحة ,  لماذا أشعر و كأني مكموخ الأن إذا؟! , هل جاء ملاك و سقاني بعض الخمر أثناء نومي ؟ ولماذا سيفعل الملاك ذلك؟ لا لا حتما لم يفعل أي ملاكٍ ذلك ؟ إذا ما سر هذا الشعور الغريب ؟!. انا حتى لم أحلم بها أو أحدثها لأقول بأن الغرام سقاني من الحب كأس أسكرني , لكن أي غرام و أي حب هذا؟!
من أنا؟!
و من هذا الرجل الجالس بجانبي و يحدق بي ؟!
أنا: (صباح الخير يا سيد)
الرجل:( عذراً فصباحي لا يبدأ حتى ألتقى بعيني سيدتي).
أنا ( خف علينا يا نزار يا قباني)
ضحك الرجل الغريب و قال ( لقد عرفتني إذا , رغم أني أعتقد بأنه من غير اللائق أن تحدث رجلاً كبيراً هكذا)
قلت له بنبرة سؤال ( أنت نزار قباني ؟!) فوجدت الرجل يهز رأسه بأن نعم
أنا :(دعني أعرفك بنفسي إذا...)
قاطعني الرجل الذي اتضح بأنه نزار قباني وقال (أنا أعرفك , لقد مررت ببضع تدوينات لك).
عجبا عجبا , نزار قباني يقرأ لي و هو ينظر لي الأن و أن أضع على وجهي ملامح البلاهة .
قطع هو جدار الصمت المبني بيننا وقال ( في الواقع أردت أن أسألك سؤالاً بسيطاً؟)
أشرت له بأن تفضل , فقال (لماذا لم تعد تكتب عن تلك الفتاة)
أنا (أي فتاة؟)
هو( تلك التي كتبت له كلمات الحب)
أجبته (لا توجد فتاة أساساً , تلك الكلمات لم تكن شيئاً سوى عواطف سكير)
قال لي (و هل كنت سكراناً حينها؟)
فأجبته بالنفي , سأل مستغرباً (و كيف تقول بأنه عواطف سكير؟)
قلت له ( منعت نفسي من الخمر فهل أمنع نفسي من عواطفه أيضاً؟)
- ( أنت لا تشرب إذا, لماذا؟!)
-(لأن الخمر حرام)
-( و الدخان حرام لكن مازلت تدخن)
أجبته قائلاً ( لقد قالوا بأن من يذق خمر الدنيا لن يذق خمر الجنة)
-(إذا أنت تطمع في الجنة؟!)
-(طبعاً أليس هذا من حقي؟!)
إستدرك هو الموقف سريعا و قال (لنعد إلى موضوعنا الأساسي يا ولدي قبل أن يطالنا التكفير , إذا تلك الكلمات لم تكن سوى عبثٌ منك ؟ هل تدري كم من أنثى فرحت بكلماتك هذه و ظنت بانك تغازلها سرا؟!)
-(هههههههههههه , عذرا يا سيدي , لكن يبدو بأنك قد أخطأت العنوان فأنا لست من النوع الذي تحلم به الفتيات حتى تفرح إحداهن لظنها بأني معجبٌ بها , أنا من شباب الفريندزون ) .
تعجب الحاج نزار(الفريندزون!!!)
-( نعم من الشباب الذين قد تحلم بهم إحداهن كصديقٍ عادي تلجأ إليه عند حدوث مشكلة بينها و بين محبوبها لعلها تجد عنده حلا و أحيانا يمتد الموضوع فيصبح كأخ , لكن كحبيب !!  بإمكاني أن أكد لك بأني لست من ذاك النوع )
-(وماذا تظن نفسك فاعلٌ بهذا العبث , ألم تعلم بأن قلوب البنات ليست لعبة تتسلى بها؟!)
-(عذرا يا سيدي سأجيبك بإجابة مطولة تحمل شقين , الأول هو من قال بأني أتسلى بقلوب أحد ؟ هل قال أحدٌ بأنك تتلاعب بقلوب السيدات بقصائدك ؟! لا لم يقل أحدٌ ذلك , ستقول بأنك كتبتها لزوجتك بلقيس , سأقول لك بأن ما كتبته هو رسائل مستقبلية لزوجتي التي لم تأتِ بعد , لست مسؤلاً عن من سيظن بأن حديثي له , الشق الثاني من إجابتي هو بأنه إن كنت أنا مذنباً فأنت أيضا مساهم في هذا الذنب فأنت قد ساهمت بشكلٍ كبير في جعلهن يعتقدن بأن كل الرجال مثل نزار يكتبون الكلمات لمحبوباتهم , و نحن لسنا كذلك لذلك لا تلمني  بل لم نفسك أولاً , و سأضيف جواباً أخر و أقول بأن الناس عندما يقرؤون كلاماً عن المشاعر لا يفكرون في ذاك الذي كتب و بماذا شعر عندما كتب , بل يفكرون في أنفسهم , يسقطون هذا الكلام على واقعهم , فإن كان في الكلام معاناة و ألم يفكرون في معانتهم هم و مشاكلهم , و إن كان في الكلام حب و غزل فكلٌ يفكر في محبوبه الحالي أو المنتظر , و يصبح الكاتب مجرد وسيلة حفزت فيهم مشاعر معينة , يصبح الكاتب مجرد وسيلة لا مشاعر لها في نظرهم)
أحسست بدخول تيارٍ بارد من الشباك فنهضت لأغلقه و عدت لمكاني فلم أجد نزار نظرت نحو اليمين و نحو اليسار لم يكن في المكان أبداً , إختفى نزار و حلت مكانه على الكرسي الذي كان يجلس عليه كومة الثياب التي تنتظر منذ أسابيع موعد عودتها إلى الخزانة.
تباً , حتما قد شربت شيئاً في البارحة